﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (١) .
المناسبة
بينت الآيات التي سبقت هذه الآيات الاتفاق الذي حصل بين سيدنا موسى
(- ﵇ -)، وشعيب على الإجارة والنكاح، وحدد سيدنا شعيب المدة بثماني سنوات، فإن أتم العشرة فهو فضل من عند موسى ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ «٢»، فلما كان من المعلوم أن التقدير فلما التزم موسى (- ﵇ -) بما اتفقا عليه، زوجه ابنته كما شرط، واستمر عنده حتى قضى ما عليه بنى عليها ﴿فَلَمَّا قَضَى﴾، أي: وفى وأتم موسى الإجارة، أي: الأوفى وهو العشر، فقد ورد أنه قضى من الأجلين أوفاهما، وتزوج من المرأتين صفارهما «٣» . والظاهر أنه مكث عنده بعد الإجارة أيضًا مدة لأنه عطف بالواو لقوله ﴿وَسَارَ﴾ ولم يجعله جوابًا للما «٤»، فنلاحظ الترابط الواضح بين هذه الآيات والتي قبلها، وكذلك نلاحظ الاختصار الشديد غير المخل بالعبارات، إذ أغنت كلمات عن جمل، فأغنت ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ﴾ عن كلمات كثيرة، أبهم بعضها القرآن كما هو الحال في كثير من المبهمات التي جاءت في سُوْرَة الْقَصَصِ، كاسم التي تزوجها موسى، واسم أخته، وأمه، وعن نوع المواشي التي سقاها موسى
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٩.
(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٨.
(٣) أخرجه البزار: ٢٢٤٤. والطبراني في الصغير: ٨١٥، والأوسط كما في مجمع الزوائد: ٧/ ٨٨ من حديث أبي ذر، وضعف الهيثمي إسناد البزار وحسن إسناد الصغير والأوسط
(٤) ينظر نظم الدرر: ٥/ ٤٨٢- ٤٨٣.
[ ٣٩٦ ]
لبنات شعيب، وكذلك أبهم الأجل الذي قضاه موسى أولًا لعدم أهمية المبهم في المعنى بشيء، وليبتعد القرآن عن السرد القصصي الممل الذي يقصه القصاصون، وكذلك ليحفز العقل البشري على التفكير في هذا المبهم بواسطة القرائن الواردة في النصّ القرآني، وليجعل النصّ متحركًا غير جامد، قابلًا للتطبيق في كلّ زمان ومكان.
تحليل الألفاظ
١. ﴿آنَسَ﴾:
" آنس الشيء أحَسَّه وآنَسَ الشَّخص واستأنسه وأبْصَرَه ونَظَر إليه. وقال ابن الأعرابي: آنِسْتُ بفلان، أي: فَرِحْت به وآنَسْت فَزَعًا وآنَسْته إذا أحْسَسْتُه ووجدته في نفسك. وفي التنزيل: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ يعني: موسى أبصر نارًا، وهو الإيناس" «١» .
وقال الزمخشري: " الإيناس: الإبصار البين الذي لا شبهة فيه، ومنه إنسان العين، لأنه يتبين به الشيء، والإنس لظهورهم. وقيل: هو أبصار ما يؤنس به " «٢» .
٢. ﴿الطُّورِ﴾:
ذكر أبو السعود أن " الطور بالسريانية الجبل، والمراد به طور سينين، وهو جبل بمدين سمع فيه موسى كلام الله تعالى " «٣» .
٣. ﴿امْكُثُوا﴾:
" المُكْث الأناة واللَّبْثُ والانتظار، مَكَثَ يَمْكُث ومَكَث مَكْثًا ومُكْثًا مُكُوثًا ومَكُوثاُ ومَكَاثة. والمُكْث: الإقامة مع الانتظار، والتلبث في المكان " «٤» .
٤. ﴿جَذْوَةٍ﴾:
" الجَذْوَة والجِذْوَة والجُذْوة: القبة من النار. وقيل: هي الجمرة والجمع جِذًا وجُذًا. وحكى الفارسي جِذاء ممدودة. وقال أبو عبيدة: الجِذْوَة مثل الجِذْمة وهي القطعة الغليظة من الخشب ليس فيها لهب " «٥» .
٥. ﴿تَصْطَلُونَ﴾:
_________________
(١) لِسَان العَرَب: مَادة (أنس) ٦/١٥.
(٢) الكشاف: ٢/ ٥٣١.
(٣) إرْشَاد العَقل السَّلِيم: ٨/ ١٤٦.
(٤) لِسَان العَرَب: مَادة (مكث) ٢/ ١٩١.
(٥) لِسَان العَرَب: مَادة (جذذ) ١٤/ ١٣٨.
[ ٣٩٧ ]
صَلِيَ بالنار وصَلِيْها صَلْيًا وصُلِيًا وصِلِيًا وصَلَى وصِلاءً واصْطَلَى بها وتَصَّلاها: قاس حرّها، والاصْطِلاء افتعال من صَلا النار والتسخين بها. واصْطَلى بالنار استدفأ «١» .
القراءات القرآنية
١. ﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾:
قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر بفتح الياء: (إِنَّيَ) «٢» .
٢. ﴿جَذْوَةٍ﴾:
واختلفوا في ضم الجيم وكسرها وفتحها، فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عامر، والكسائي: (جِذْوَة) بكسر الجيم. وقرأ حمزة، وخلف، والأعشى، وطلحة، وأبو حيوة، ويحيى: (جُذْوَة) . وقرأ عاصم: (جَذْوَة) «٣» .
القضايا البلاغية
١ـ الترجي «٤» في قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ .
_________________
(١) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (صلي) ١٤/ ٤٦٧- ٤٦٨.
(٢) التيسير في القراءات السبع: ص ١٧٢. إتحاف فضلاء البشر: ص ٣٤٢.غيث النفع: ص ٣١٦.
(٣) ينظر النشر في القراءات العشر: ٢/ ٣٤١: الحجة لقراء السبعة. أبو علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي. (٢٨٨ - ٣٧٧ هـ) . الطبعة الأولى. دار المأمون للتراث. ١٩٩٢ م.: ٥/ ٤١٣. الكَشَّاف: ٣ / ١٧٤. البحر المحيط: ٧/١١٦.
(٤) الترجي: من أساليب الإنشاء، ويكون في القريب والممكن والمتوقع، وهو بحرفين: لعل، وعسى. معترك الأقران في إعجاز القُرْآن. الإِمَام جلال الدِّيْن عَبْد الرَّحْمَن أبو بكر السيوطي الشافعي. ت ٩١١ هـ. ط١. ضبطه وصححه وكتب فهارسه: أحمد شمس الدِّيْن. دار الكتب العلمية. بيروت. لبنان. ١٤٠٨ هـ – ١٩٨٨ م.: ١ /٤٤٦.
[ ٣٩٨ ]
٢ - التقسيم «١» في قوله تعالى: ﴿بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ﴾ .
المعنى العام
﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾
_________________
(١) التقسيم: هو أن يؤتى بالأقسام مستوفية لم يخل بشيء منها، ومخلصة لم يدخل بعضها في بعض. جواهر الألفاظ. قدامة بن جعفر. تحقيق: رشيد كمال. الطبعة الأولى. المطبعة العلمية. بيروت، لبنان ١٤١١ هـ.: ص ٥.
[ ٣٩٩ ]
أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله (- ﷺ -) سأل جبريل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما وأكملهما. وأخرجه عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله (- ﷺ -): «يا أبا ذر إذا سئلت أي الأجلين قضى موسى فقل: خيرهما وأوفاهما» «١» . وأخرجه الحاكم في المستدرك مرفوعًا «٢» . وفي الدر المنثور، وعزاه إلى البيهقي عن ابن عباس «٣» . وأخرجه ابن عطية عن سعيد بن جبير قال: سألني رجل من النصارى أي الأجلين قضى موسى؟ فقلت: لا أدري حتَّى أقدم على حبر العرب - أعني ابن عباس - فقدمت عليه فسألته فقال: قضى أكملهما وأوفاهما، إن رسول الله إذا قال وفى، فعدت فأعلمت النصراني، فقال: صدق هذا. وروى عن ابن عباس أن النبي (- ﷺ -) سأل في ذلك جبريل فأخبره أنه قضى عشر سنين. وحكى الطبري عن مجاهد أنه قضى عشرًا، أو عشرًا وبعدها. وقال ابن عطية: هذا ضعيف «٤» . والمراد بالأهل هنا الزوجة «٥» .
﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم: ٩/ ٢٩. المعجم الصغير (الطبراني): ٢ /٧٩. المعجم الكبير (الطبراني): ٩ /١٧٦. قال الحافظ الهيتمي: " رواه الطبراني في الصغير والأوسط والبزار باختصار، وفي إسناد الطبراني عويد بن أبي عمران الجوني ضعفه ابن معين وغيره، ووثقه ابن حبان، وبقية رجال الطبراني ثقات " مجمع الزوائد: ٨ /٢٠٣.
(٢) المستدرك على الصحيحين: ٢/ ٤٠٧ من حديث عبدُ الله بْن عَبَّاس بلفظ (أبعدهما وأطيبهما) قال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه.
(٣) السنن الكبرى (البيهقي): ٦ /١١٧ من حديث سعيد بن جبير. الدر المنثور: ٦/ ٤١٠.
(٤) المحرر الوجيز: ١٢/ ١٦٢.
(٥) التحرير والتنوير: ٢٠/ ١١١.
[ ٤٠٠ ]
" أي أبصر من الجهة التي تلي الطور لا من بعضه كما هو المتبادر " «١» . فبعد أن ضلوا الطريق واشتد عليهم البرد، فبينما هو كذلك إذ رأى نارًا، وكان ذلك نورًا من الله تعالى قد التبس بشجرة.
قال وهب: كانت عليقًا «٢» . وقال قتادة: عوسجًا (٣) . وقيل: زعرورًا «٤» .
وقيل: سمرة «٥» قاله ابن مسعود، وأنس.
معناه أحس، والإحساس بالصبر، وكان هذا الأمر كله في جانب الطور وهو جبل في الشام «٦» .
وقال بعض العارفين: " كان المبصر في صورة النار الحقيقية، أما حقيقته فوراء طور العقل، إلا أن موسى (- ﵇ -) ظنه النار المعروفة " «٧» .
﴿قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾
بعد أن أظلم عليهم الليل في الصحراء، وضلوا طريقهم، فوجدوا بردًا شديدًا، فأبصر النار، فسار إليها يطلب من يدله على الطريق، وهو قوله: ﴿آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ دلالة على أنه ضل. وفي قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ دلالة على البرد «٨» .
ما يستفاد من النصّ
_________________
(١) روح المعاني: ٢٠/ ٧٢.
(٢) العليق: نبات شانك معرش من فصيلة الورديات، زهوره صغيرة بيضاء أو وردية اللون، وله ثمار كثمار التوت، ينظر المحرر الوجيز: ١٢/ ١٦٣.
(٣) العوسج: جنس شجيرات من فصيلة الباذنجانيات أغصانه شائكة وأزهاره مختلفة الألوان ينظر: المحرر والوجيز: ١٢/ ١٦٣.
(٤) الزعرور: شجرة مثمر من فصيلة الورديات يكثر في مناطق المتوسط، ثمره أحمر وأصفر ينظر: المحرر الوجيز: ١٢/ ١٦٣.
(٥) السمرة: وهو شجر من العضاة، وليس في العضاة أجود خشبًا منه. ينظر: المحرر الوجيز: ١٢/ ١٦٣.
(٦) ينظر: المحرر الوجيز: ١٢/ ١٦٣.
(٧) روح المعاني: ٢٠/ ٧٢.
(٨) ينظر مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٤٤.
[ ٤٠١ ]
يمكن أن نستفيد من هذه الآية المعاني الآتية:
١.دلت الآيات على الوفاء بالعهد، وأنها من شيم المؤمنين وأخلاق الأنبياء، فقد وفى سيدنا موسى بما قبل على نفسه من شرط، ونفذ سيدنا شعيب ما جعله جزاء لهذا الشرط.
٢.وفي هذه الآية دليل على أن للرجل أن يذهب بأهله حيث يشاء مما يرضي الله لما له عليها من فضل القوّامية وزيادة الدرجة، إلا أن يلتزم لها أمرًا، فالمؤمنين عند شروطهم، وأحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج «١» .
٣.ونستدل من قول سيدنا موسى ﴿امْكُثُوا﴾ على غيرته الشديدة على زوجته، وهو ما ينبغي أن يكون علية كل إنسان، فسيدنا موسى لما رأى النار لم يعرف مصدرها، فما أراد أن يأخذ أهله إليها لاحتمال وجود خطر، فأراد أن يجازف بنفسه ويعرف مصدرها ثم يرجع إليهم.
٤.يتبين من سياق الآيات أن مسيرهم كان ليلًا، لقوله تعالى: ﴿آنَسْتُ نَارًا﴾، فالنار في الليل تُرى من مسافة بعيدة، وهذا ما جعله يرى النار من مسافة بعيدة، ولأن السفر في الليل أستر للعائلة وأسهل في المنفعة.
_________________
(١) ينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٤٩٩٧.
[ ٤٠٢ ]