﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إليَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ «٢» .
المناسبة
لما دعا سيدنا موسى (- ﵇ -) من الله أن ينجيه من القوم الظالمين في الآية السابقة: ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ «٣»، أراد الله جل وعلا أن يعلم باستجابته منه مخبرًا بجهة قصده زيادة في الإفادة، فقال: (ولما)، أي: فاستجاب الله دعاءه فنجاه منهم ووجهه إلى مدين «٤» .
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم: ٢ /٣٠٢ -٣٠٣. وينظر أيضًا الكَشَّاف: ٢ /٢١٥.
(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات ٢٢ -٢٤.
(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢١.
(٤) ينظر نظم الدرر: ٥ /٤٧٥.
[ ٣٣٧ ]
فقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ عطف على جملة محذوفة تقديرها: ولما خرج من المدينة هائمًا على وجهه فهداه الله إلى الطريق الذي يؤدي إلى أرض مدين فلما سلك هذا الطريق «١»، ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ . فنلاحظ الترابط بين الكلمات والمعاني، ومناسبة الآيات بعضها للبعض الآخر فبدت كنسيج واحد دقيق يكمل بعضه بعضًا ليدل على المعنى المراد توصيله بأقرب الطرق، وأبلغ العبارات وأقصرها، وهذه ميزة أخرى من المزايا التي تميز بها الَقُرْآن الكَرِيم عن غيره، ومعجزة أخرى تؤكد أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون إلا من عند الله جَلَّ وَعَلا.
تحليل الألفاظ
١. ﴿تَوَجَّهَ﴾:
الجِهَةُ، والوِجهَةُ جميعًا الموضع الذي تتوجه إليه وتقصده وضلَّ وِجْهَةَ أمره، أي: قصده وخَلَ عن جِهَتِه: يريد جِهَةَ الطريق، وتَوَجَهَ إليه ذهب «٢» .
وقال النسفي: " التوجه الإقبال على الشيء " «٣» . وقال أبو حيان: " توجه وجهة تلقاء أي ناحية وجهه استعمل المصدر استعمال الظرف " «٤» .
٢. ﴿تِلْقَاءَ﴾:
أصله مصدر على وزن التِفعال بكسر التاء، وليس له نظير في كسر التاء إلا تِمثال. قال ابن سيدة: وَتَلَقاه والتَقاه والتَقَيْنا وتَلاقَينْا والتَقَوْا وتَلاقَوْا بمعنى، وجلس تِلقاء، أي: حِذاءه. وقال الطبري: " يقال داره تلقاء دار فلان إذاَ كانت محاذيتها " «٥» .
٣. ﴿وَرَدَ﴾:
_________________
(١) ينظر التحرير والتنوير: ٢٠ /٩٧.
(٢) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (وجه) ١٣/ ٥٥٦.
(٣) مدارك التنزيل: ٣ /٢٣١.
(٤) البَحْر المُحِيْط: ٧/ ١١١.
(٥) التحرير والتنوير: ٢٠ /٩٧.
[ ٣٣٨ ]
وردَ الوِرْدُ ووُردُ القوم الماء والوِرْدُ الماء الذي يُورَدُ، والوِرْدُ الإبل الواردة المَوْرِدةُ الطريق إلى الماء. وقال ابن سيدة: وَوَرَدَ الماء وغيره وَرْدًا ووُرُودًا، وورد عليه أشرف عليه دخله أو لم يدخله «١» .
وقال الراغب الأصفهاني: أصل الورود قصد الماء ثم يستعمل في غيره (٢) .
٤. ﴿أُمَّةً﴾:
" كلّ جماعة يجمعهم أمرُ واحد، إما دينٌ واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيرًا، أو اختيارًا وجمعها أمم «٣» . قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ «٤» . فالمراد بالأمة في هذه جماعة كثيرة يجمعهم أمر واحد وهو سقيهم للمواشي في مكان واحد وهو البئر.
٥. ﴿تَذُودَانِ﴾:
الذَوْدُ: السَوق والطرد والدفع تقول: ذُدْتُه عن كذا، وذاده عن الشيء ذَوْدًا وذِيادًا ورجل ذائد، أي: حامي الحقيقة دفاع، وذُدتُ الإبل أذودها ذَوْدًا إذا طردتها وسقتها «٥» . وذكر الرازي أن معنى (الذود) الدفع والطرد فقوله: (تذودان)، أي: تحبسان «٦» .
والذي تبين مما سبق أن الدفع والطرد والحبس من معاني الذود فكلها تعطي معنى واحدًا.
القراءات القرآنية
١. ﴿عَسَى﴾:
قرأ حمزة والكسائي وورش بالإمالة «٧» .
٢. ﴿رَبِىَ﴾:
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر (رَبىَ) «٨» .
٣. ﴿دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ﴾:
_________________
(١) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (ورد) ٣ /٤٥٦.
(٢) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٥٥٦.
(٣) المصدر نفسه: ص ١٩.
(٤) سُوْرَة الأَنْعَامِ: الآية ٣٨.
(٥) لِسَان العَرَب: مَادة (ذود) ٣ /١٦٨.
(٦) مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٣٩.
(٧) الكَشَّاف: ٣ /١٦٩. البَحْر المُحِيْط: ٧ /١١٣.
(٨) النشر في القراءات العشر: ٢ /٣٤٢.
[ ٣٣٩ ]
قرأ أبو عمرو: (دونِهِمِ)، وقرأ حمزة، والكسائي: (دونِهُمُ) «١» .
٤. ﴿امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ﴾:
نقل القرطبي أنه في بعض المصاحف (امرأتين حابستين تذودان) وهي من القراءات الشاذة التي لم يذكرها غير القرطبي «٢» .
٥. ﴿خَطبُكُما﴾:
قال أبو حيان: وقرأ شمر بكسر الخاء (خِطْبُكُما)، أي: من زوجكما ولم لا يسقي هو، وهذه قراءة شاذة «٣» .
٦. ﴿لاَ نَسقِي﴾:
قرأ أبن مصرف بضم النون (لا نُسقِي) «٤» .
٧. ﴿يُصْدِرَ﴾:
قرأ أبو جعفر، وشيبة، والحسن، وقتادة: (يَصدُر)، أي: يصدرون بأغنامهم «٥» .
٨. ﴿الرِعَآءُ﴾:
هذه قراءة الجمهور جمع تكسير. قال الزمخشري: " وإما الرِعاء بالكسر فقياس كصيام وقيام " «٦» . وقال أبو حيان: " وليس بقياس لأنه جمع راع، وقياس فاعل الصفة التي للعاقل أن تكسر على فعله، كقاض وقضاة، وما سوى جمعه هذا فليس بقياس. وقرأ: (الرُعاء) بضم وهو اسم جمع كالرجال والثناء «٧» .
القضايا البلاغية
_________________
(١) غيث النفع: ص ٣١٥.
(٢) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٤٩٨٤.
(٣) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١١٣.
(٤) الكَشَّاف: ٣ /١٦٩. البَحْر المُحِيْط: ٧ /١١٣.
(٥) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١١٣.
(٦) الكَشَّاف: ٣ /١٧٠.
(٧) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١١٣.
[ ٣٤٠ ]
الإيجاز «١»: فقد حذف المفعول في أربعة أماكن: أحدها مفعول (يسقون)، أي: مواشيهم. والثاني مفعول (تذودان)، أي: مواشيهما، وعلة الحذف أن الفرض هو أن يعلم أنه كان من الناس سقي ومن البنتين ذود، وإنهما قالتا: (لا نسقي)، أي: لا يكون من سقي حتى يصدر الرعاء وأنه كان من موسى سقي «٢» .
(ماء مدين) مجاز من إطلاق الحال وإرادة المحل «٣» .
الكناية «٤» في قوله تعالى: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ فقد استخدمتا الكناية تعبيرًا عن المعنى المراد، فقد أرادتا أن تقولا له إننا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مزاحمة الرجال ومالنا رجل يقوم بذلك، وأبونا شيخ طاعن في السن قد أضعفه الكبر وأعياه، فلا بد لنا من ترك السقيا وإرجائها إلى أن يقضي الناس أوطارهم من الماء، وبذلك طابق جوابهما سؤاله لأنه سألهما عن علة الذود فقالتا ما قالتاه «٥» .
المعنى العام
وذكر الرازي اختلاف العلماء في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾:
_________________
(١) الإيجاز: أن يكون اللفظ أقل من المعنى مع الوفاء به، وإلا كان إخلالًا يفسد الكلام. ينظر معجم المصطلحات البلاغية: ١ /٣٤٤.
(٢) ينظر بديع الَقُرْآن: ص ١٨٦. البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن. كمال الدين عبد الواحد بن عبد الكريم الزملكاني. تحقيق: د. خديجة الحديثي ود. أحمد مطلوب. الطبعة الأولى. مطبعة العاني. بغداد ١٣٩٤ هـ - ١٩٧٤ م.: ص ٢٤٥. إعراب القرآن وبيانه وصرفه: ٥ /٣٠٤.
(٣) ينظر روح المعاني: ٢٠ /٥٩.
(٤) الكناية: هو أن تتكلم بشيء وتريد غيره، وكنى عنه الأمر يغيره. معجم المصطلحات البلاغية: ٣ /١٥٤.
(٥) ينظر الكَشَّاف: ٣ /١٧١. الجدول في إعراب القرآن: ٢٠ /٢٤٥.
[ ٣٤١ ]
القول الأول: قال بعضهم: إنه خرج وما قصد مدين، ولكنه سلم نفسه إلى الله تعالى وأخذ يمشي من غير معرفة، فوصله الله تعالى إلى مدين. وهذا قول ابن عباس (- ﵁ -) .
القول الثاني: إنه لما خرج قصد مدين، لأنه وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم (- ﵇ -)، وهو كان من بني إسرائيل، لكن لم يكن له علم بالطريق بل أعتمد على الله.
القول الثالث: ومن الناس من قال بل جاءه جبريل (- ﵇ -) وعلمه الطريق. وذكر ابن جرير عن السدي: لما أخذ موسى (- ﵇ -) في السير جاءه ملك على فرس فسجد له موسى من الفرح فقال: لا تفعل واتبعني، فتبعه نحو مدين. وهذه الرواية غير صحيحة لأنه لا يمكن لموسى أن يسجد لغير الله تعَاَلىَ حتَّى ولو كان قبل النبوة لأن الأنبياء معصومون قبل النبوة وبعدها، واستغرب من عدم رد الرازي لها.
ورجح الرازي القول الأول للأدلة الآتية:
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ ولو كان قاصدًا الذهاب إلى مدي (١) لقال: ولما توجه إلى مدين، فلما لم يقل ذلك بل قال: ﴿تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ علمنا أنه لم يتوجه إلا إلى ذلك الجانب من غير أن يعلم أن ذلك الجانب إلى أين ينتهي.
_________________
(١) مدين: وهي قرية سميت باسم مدين بن إبراهيم (- ﵇ -)، وهي بلاد واقعة حول خليج العقبة من عند نهايته الشمالية وشمال الحجاز وجنوب فلسطين. وذكر الطبري إن بين مصر ومدين مسيرة ثمان ليالِ، وكان يقال على نحو من الكوفة إلى البصرة، ينظر جامع البيان: ١٠/ ٥٢. معجم البلدان: ٥ /٧ ٨. روح المعاني: ٢٠/٥٩.
[ ٣٤٢ ]
قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾، وهذا كلام شاك لا عالم، والأقرب أن يقال: إنه قصد الذهاب إلى مدين وما كان عالمًا بالطريق، ثم إنه كان يسأل الناس عن كيفية الطريق، لأنه يبعد من موسى (- ﵇ -) في عقله وذكائه أن لا يسأل «١» .
وهو الذي نرجحه، فإضافة إلى الأدلة السابقة، نضيف دليلًا عقليًا أخر وهو أن سيدنا موسى (- ﵇ -) قضى أغلب مراحل حياته في قصر فرعون، ولا علم له بأقاربه في المدن الأخرى، ولا سيما أنها تبعد عن مصر ثمان ليال، هذا جانب. والجانب الأخر هو أن سيدنا موسى (- ﵇ -) كان في حالة خوف شديد من أن تصله أيدي جنود فرعون فأراد أن يخرج من هذا المكان بأسرع وقت حتى نسي أن يأخذ الزاد معه ولوازم السفر، فكيف له في هذه اللحظات العصيبة أن يتذكر أقربائه في مدين.
﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾
قيل عُني بـ ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ الطريق إلى مدين، وهذا قول مجاهد. وقيل: معناه قصد السبيل. وقيل: الطريق المستقيم «٢» .
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾
وذكر أبو حيان الأندلسي إن الورود يكون بمعنى الوصول إلى الشيء وبمعنى الدخول فيه «٣» .
وذكر القرطبي: " أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ مشى موسى (- ﵇ -) حتى ورد ماء مدين، أي: بلغها. ووروده الماء معناه بلغها لا أنه دخل فيه، ولفظة الورود قد تكون بمعنى الدخول وقد تكون بمعنى الاطلاع والبلوغ إليه، وإن لم يدخل فورود موسى كان بالوصول إليه " «٤» .
_________________
(١) ينظر مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٣٨ –٢٣٩.
(٢) جامع البيان: ١٠ /٥٢.
(٣) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١١١.
(٤) الجامع لأحكام القران: ٦/٤٩٨٣.
[ ٣٤٣ ]
وذكر البقاعي أن المراد بقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ﴾ " أي: حضر سيدنا موسى (- ﵇ -) حضور من يشرب" «١» . وذكر الآلوسي " أن الورد بمعنى الدخول وبمعنى الشرب" (٢)
والذي أراه أن المراد بالورود في هذه الآية هو الوصول إلى مكان الماء، ولا يدل أبدًا على معنى الشرب في هذه الآية، فسياق الآية يصور المشهد وكأنك تراه، ففي الآية السابقة ذكر جل وعلا ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: جهتها وقبل الوصول إلى الماء. وفي هذه الآية يبين جل وعلا أن سيدنا موسى (- ﵇ -) وصل ماء مدين، فالسياق القرآني يتابع هجرة سيدنا موسى (- ﵇ -) مرحلة مرحلة، وهذه الآيات تنقل قارئ القرآن إلى مشهد وصوله إلى الماء.
﴿مَاءَ مَدْيَنَ﴾ بئر كانوا يسقون منه «٣» ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ﴾ .
" وجد فوق شفيره ومستقاه " «٤» والمراد بالأمة كما بينا في التحليل اللغوي للألفاظ جماعة كثير يجمعهم أمر واحد وهو سقيهم للمواشي في مكان واحد وهو البئر ﴿يَسْقُونَ﴾، أي: ماشيتهم «٥»، ولم يبين نوع الماشية. والظاهر أنهم كانوا يسقون مواشي مختلفة لم يبينها النص القرآني، لأن المهم في سياق القصة السقي لا المسقي.
﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ . قال النسفي: " في مكان أسفل من مكانهم " «٦» . وقال القرطبي: " معناه ناحية إلى الجهة التي جاء منها، فوصل إلى المرأتين قبل وصوله إلى الأمة " «٧» .
_________________
(١) نظم الدرر: ٥/٤٧٥
(٢) روح المعاني: ٢٠/٥٩
(٣) روح المعاني: ٢٠/٥٩
(٤) الكَشَّاف: ٣ /١٧٠.
(٥) المصدر نفسه: ٦ /٤٩٨٤.
(٦) مدارك التنزيل: ٣/ ٢٣١.
(٧) الجامع لأحكام القران: ٦/ ٤٩٨٤.
[ ٣٤٤ ]
قال ابن عاشور: " في مكان غير المكان الذي حل الماء، أي: في جانب مباعد للأمة من الناس، لأن حقيقة كلمة (دون) أنها وصف للشيء الأسفل من غيره «١» .
﴿امْرَأتَيْنِ﴾ . قيل: اسم أحدهما ليا. وقيل: عبرا. وقيل: شرفا. واسم الأخرى صفوريا. وقيل: صفوراء. وقيل: صفيراء «٢» . ولا أرى فائدة من ترجيح اسم على آخر، فضلًا عن كون ذلك كله من الإسرائيليات.
﴿تَذُودَانِ﴾، أي: تمنعان ما معهما من الأغنام عن التقدم إلى البئر كيلا تختلط بالأغنام الأخرى «٣» . واختلفوا في علة ذودهما الغنم على وجوه:
أحدها - قال الزجاج، لأن على الماء من كان أقوى منهما فلا يتمكنان من السقي.
ثانيها - كانتا تكرهان المزاحمة على الماء.
ثالثها - لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم.
رابعها: لئلا تختلط بالرجال «٤» .
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾
قال ابن عطية: " أي ما أمركما وشأنكما، وكان استعمال السؤال بالخطب إنما هو في مصاب، أو مضطهد، أو من يشفق عليه، أو يأتي بمنكر من الأمر، فكأنه بالجملة في شر، فأخبرتاه بخبرهما وأن أباهما شيخ كبير، فالمعنى أنّه لا يستطيع لضعفه أن يباشر أمر غنمه، وأنهما لضعفهما وقلة طاقتهما لا يقدران على مزاحمة الأقوياء، وإن عادتهما التأني حتى يصدر الناس عن الماء ويخلى وحينئذ تردان " «٥» .
﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ وقد أختلف العلماء في اسم هذا الشيخ الكبير إلى الأقوال وهي:
القول الأول - قال الجهور: هو شعيب (- ﵇ -)، وهما ابنتاه.
_________________
(١) التحرير والتنوير: ٢٠/٩٩.
(٢) روح المعاني: ٢٠/ ٥٩.
(٣) إرشاد العقل السليم:٧/٨
(٤) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٣٩
(٥) ينظر جامع البيان: ١٠ /٦١ –٦٢. المحرر الوجيز: ١٢/ ١٥٨. تفسير القران العظيم: ٣/ ٣٨٤. الدَّرُّ المَنْثُوْرُ: ٦/ ٤٠٧-٤٠٨.
[ ٣٤٥ ]
القول الثاني - قال الحسن: هو ابن أخي شعيب واسمه ثروان، وقال أبو عبيدة: يثرون.
القول الثالث - قيل: هو رجل صالح ليس من شعيب بنسب.
القول الرابع - قال آخرون: كان شعيب قبل زمان موسى (- ﵇ -) بمدة طويلة «١»، لأنه قال لقومه: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ «٢» .
وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل (- ﵇ -) بنص القرآن. وقد علم أنه كان بين الخليل وبين موسى (- ﵇ -) مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة كما ذكر غير واحد. وما قيل إن شعيبًا عاش مدة طويلة إنما هو والله اعلم احترازًا من هذا الاشكال. ويرجح ابن كثير أنه ليس بشعيب، ويقول: من المقوي لكونه ليس بشعيب أنه لو كان إياه لأوشك أن ينص على اسمه في القرآن هاهنا، وما جاء في بعض الأحاديث التصريح باسمه لم يصح سنده «٣» .
ورجح القرطبي أنهما ابنتا شعيب «٤» فهو ظاهر القرآن.
قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ «٥» . وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ «٦» .
والذي يرجحه الباحث هو القول الأول، وأنه سيدنا شعيب الرسول وذلك لأن علماء الفقه الإسلامي قد استدلوا بما في هذه القصة من أحكام عند من يرى أن شرع من قبلنا من الرسل شرع لنا ما لم يرد ناسخ، ومنها مباشرة المرأة الأعمال ووجود الحياء فيها، وولاية الأب في النكاح وجعل النكاح والإجارة في عقد واحد «٧) على ما سنوضحه لاحقًا.
_________________
(١) جامع البيان: ١٠ /٦٠ –٦١.الدَّرُّ المَنْثُوْرُ: ٦ /٤٠٧ –٤٠٨.
(٢) سُوْرَة هُوْد: الآية ٨٩.
(٣) ينظر تفسير القران العظيم: ٣/ ٣٨٤.
(٤) الجامع لأحكام القران ٦: / ٤٩٨٦.
(٥) سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية ٨٥.
(٦) سُوْرَة الشُّعَرَاءِ: الآيتان ١٧٦- ١٧٧.
(٧) ينظر التحرير والتنوير: ٢٠/ ١٠١.
[ ٣٤٦ ]
﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾، أي: سقى غنمهما لأجلهما، وفي كيفية السقي ذكر الرازي أقوالًا:
القول الأول - إنه (- ﵇ -) سأل القوم أن يفسحوا ففسحوا.
القول الثاني - قال قوم: عمد إلى بئر على رأسه صخرة لا يقلها إلاّ عشرة. وقيل: أربعون. وقيل: مائة فنحاها بنفسه واستقى الماء من ذلك البئر.
القول الثالث: إن القوم لما زاحمهم موسى (- ﵇ -) تعمدوا إلقاء ذلك الحجر على رأس البئر فهو (- ﵇ -) رمى ذلك الحجر، وسقى لهما «١» .
والصحيح أنه لم يرد بيان من القرآن يبين كيفية السقي، ولكن المرأة وصفت سيدنا موسى بالقوة حينما طلبت من والدها استئجاره
﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾، فدلّ ذلك على أنها رأت منه قوة كبيرة وصفته بها أمام والدها ودعتها لطلب استئجاره. وأن موسى (- ﵇ -) رفع صخرة كبيرة لا يستطيع غيره من الرجال أن يرفعها ليسقي لهما الماء.
﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
أي انصرف موسى (- ﵇ -) جاعلًا ظهره يلي ما كان يلي وجهه ليقيل تحت الظل، ويستره مقبلًا على الخالق.
وذكر الطبري أنه قال هذا القول ﴿إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾، وهو محتاج، وهو بجهد شديد، وعرض ذلك للمرأتين تعريضًا لهما لعلهما أن تطعماه مما به من شدة الجوع «٢» .
_________________
(١) مفاتيح الغيب: ١٢/ ٢٣٩.
(٢) جامع البيان: ١/ ٥٦- ٥٧.
[ ٣٤٧ ]
وفيه دلالة على أنه سقى لهما في شمس وحر. ونقل ابن كثير رواية عن ابن عباس: " سار موسى من مصر إلى مدين ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر، وكان حافيًا، فما وصل إلى مدين حتى سقطت نعل قدميه وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه، وأن بطنه لاصق بظهره من الجوع " «١» .
﴿فَقَالَ رَبِّ﴾ " لأنه ليس في الشكوى إلى المولى العلي الغني المطلق نقص، ولما كان حاله في عظيم صبره، حالة من لا يطلب أكدّ سؤاله إعلاماَ بشديد تشوقه لما سأل، فيه زيادة في التضرع والرأفة، فقال ﴿إني﴾ وأكد الافتقار بالإلصاق باللام دون (إلى) فقال ﴿لما﴾، أي: لأي شيء، ولما كان الرزق الآتي إلى الإنسان مسببًا عن القضاء الآتي عن العلي الكبير عبر بالإنزال، وعبر بالماضي تعميمًا لحالة الافتقار وتحققًا لإنجاز الوعد بالرزق " «٢» .
وأما اسم الشجرة، فقد ذكر القرطبي أنها (سمرة) قاله ابن مسعود «٣» .
ما يستفاد من النصّ
دلت الآيات السابقة على جملة المعاني وهي:
أولا - الدعاء وأثره في تفريج الكروب، فقد رأينا كيف صور القرآن الكريم حالة سيدنا موسى (- ﵇ -)، بعد أن اخبره الذي آمن بوصول أمر القبطي
(المقتول) إلى سماع فرعون وتآمرهم على قتله، فانتابته حالة من الخوف والترقب، ودعا الله أن ينجيه من القوم الظالمين، فمرة أخرى يتعرض إلى محنة أخرى، ومرة أخرى يتحدى الله جل وعلا فرعون وجنوده من أن ينالوا ممن اصطفاه واصطنعه لنفسه.
_________________
(١) تفسير القران العظيم: ٣/ ٣٨٤.
(٢) نظم الدرر: ٥/ ٤٧٧.
(٣) السمرة: شجرة صغيرة الورق قصير الشوك لها برقة صفراء. ينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/ ٤٩٨٥.
[ ٣٤٨ ]
فماذا يفعل شخص مثله مطارد وحيد مجرد من كل قوى الأرض الظاهرة جميعًا لا يعلم إلى أين يتوجه، أي الطرق تخرجه من أرض الخطر، فقد سدت في وجهه كل طرق النجاة إلا طريقًا واحدًا هو طريق الله، فاتجه إلى ربه داعيًا أن يهديه سبيل النجاة فهداه الله جل وعلا إلى مدين، ومن هذا نتعلم درسًا مهما هو أن على المسلم أن يلتجأ إلى الله في يسره وعسره.
ثانيًا. على المسلم أن يقدم المساعدة للمحتاج ولو لم يطلبها، وهذا ما فعله سيدنا موسى (- ﵇ -) مع بنات سيدنا شعيب (- ﵇ -) .