﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ «١» .
المناسبة
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٦.
[ ٢٣٣ ]
لما دل قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ امَّةٍ شَهِيدا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا انَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ «١» " على عجزهم في تلك الدار وعلمهم أن المتصرف في جميع الأقدار إنما هو الواحد القهار، دلّ على أن ذلك له أيضًا في هذه الدار وقوع العلم به بالهلاك أولى البطر والمرح والأثر من غير أن يغنوا عمن أضلوا أو يغني عنهم من أضلهم من ناطق، وما أضلهم من صامت تطبيقًا لعموم ﴿وَكَمْ اهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ «٢» على بعض الجزئيات تخويفًا لمن كذب النبي (- ﷺ -)، ولاسيما من نسبة إلى السحر، وإعلامًا بأن الأنبياء - عَلَيْهم الصَلاة والسَّلام - يقاطعون الأشقياء وإن كانوا أقرب الأقرباء لأنه ﷾ عذب قارون ومن كان معه بعذاب لم يسبقهم فيه أحدهم من بني إسرائيل ومن أقرب من بني إسرائيل إلى موسى (- ﵇ -) " «٣» . فبعد أن بينت الآيات السابقات تخلي الشركاء يوم القيامة عن الاستجابة لمن اتخذوهم شركاء، وضل عنهم ما كانوا يفترون، يبين الله جَلَّ وَعَلا في هذه الآيات تخلى المال عن صاحبه المغتر به، وانتفاء الانتفاع به، وانعدام الفائدة له في إنقاذه من عقاب الله تعَاَلىَ ليستكمل المعنى أنه لا ناصر إلا الله، ولا معز إلا الله، فنلاحظ الترابط بين الآيات والتلازم بين المعاني.
تحليل الألفاظ
١. ﴿فَبَغَى﴾:
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٥.
(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٨.
(٣) نظم الدرر: ٥ /٥١٦.
[ ٢٣٤ ]
البَغْيُ: التَّعَدَّي، وبَغَى الرجلُ علينا بَغْيًا: عدل عن الحق واستطال. وقال الفراء: البَغْي استطالة على الناس. وقال الأزهري: معناه الكبر والَغَي الظُّلم والفساد. والبَغْيُ معظم الأمر، وقال: معنى البَغْي قصد الفساد، ويقال: فلان يَبْغي على الناس إذا ظلمهم وطلب آذاهم، وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حدّ الشيء بَغْيٌ «١»، بمعنى أن البغي يتلوه سوء العاقبة والخاتمة، والعياذ بالله ﷾.
٢. ﴿الْكُنُوزِ﴾:
الكَنْزُ، قال الراغب الأصفهاني: " الكَنْزُ جَعْلُ المال بعضَهُ على بعض وحفظُه، وأصْلُه من كنزتُ التّمْرَ في الوِعاءِ " «٢» . " وقيل: الكنز المال المدفون، وجمعه كُنُوزٌ، كَنَزَهُ يَكْنزُه كَنْزًا واكْتَنَزَهُ، وتسمي العرب كلّ كثيرٍ مجموع يتنافس فيه كنزًا " «٣» .
٣. ﴿لَتَنُوءُ﴾:
" النّأنَأةُ: العَجْزُ والضَّعْفُ، وروى عِكْرمِةُ عن أبي بكر الصديق (- ﵁ -) أنه قال: طُوبَى لِمَنْ مات في النَّانَاةَِ، مهموزة يعني أول الإسلام قبل أن يَقْوَى ويكنُزَ أهله وناصريُه والدّاخِلونُ فيه، فهو عند الناس ضعيف. وتَنَأنَأ: ضَعُفَ واستَرخَى، ورجل نَأنأ ونَأناءُ بالمد والقص: عاجز جبان ضعيف، ونَأنَأتُ الرجل نَأنأةً، أي: حَمَلتُه على أن ضَّعُفَ عما أراد وتراخى " «٤» .
٤. ﴿بِالْعُصْبَةِ﴾:
" العُصبةُ والعِصابةُ جماعة ما بين العشرة إلى الأربعين، وقال الأخفش: والعُصبة والعِصَابة جماعة ليس لها واحد، والتَّعَصُّبُ من العَصَبِيَّة أن يَدعُوَ الرجلَ إلى نُصرة عَصَبِته والتَالُّبِ معهم على من يناوئهم.
_________________
(١) لِسَان العَرَب: مَادة (بغي) ١٧ /٧٨.
(٢) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٤٦٠.
(٣) لِسَان العَرَب: مَادة (كنز) ٥ /٤٠٢.
(٤) لِسَان العَرَب: مادة (نأي) ١ /١٦١ – ١٦٢.
[ ٢٣٥ ]
واعصَوصَبُوا: استَجمعوا فإذا تَجَمَعَّوُا على فريق آخر قيل: تَعَصَبَّوُا واعصَوصَبُوا استَجمعوا " «١» . وقال الراغب: " والعُصبَةُ جماعةٌ مُتَعَصِّبَةٌ مُتَعَاضِدَةٌ " «٢» .
٥. ﴿الْفَرِحِينَ﴾:
" الفرح نقيض الحزن. وقال ثعلب: إن يجد في قلبه خِفَّةً، فَرِحَ فَرَحًا، ورجل فَرِحٌ وفَرُحٌ ومفروح. وعن ابن جني: وفرحانُ من قوم فَراحَى وفرَحَى، وامرأةُ فَرِحةُ وفَرحَى، وامرأةٌ فَرِحةٌ وفَرحَى وفَرحانة " «٣» .
القراءات القرآنية
١. ﴿عَلَيْهُمْ﴾:
قرأها حمزه بضم الهاء وسكون الميم «٤» .
٢. ﴿فَبَغَى﴾:
وقرأ بالإمالة كل من حمزة، والكسائي، وخلف، وورش «٥» .
٣. ﴿مَفَاتِحَه لتنوّاُ﴾:
قرأ الأعمش: (مفاتيحه لتنوء) .
وقرأ بديل بن ميسرة: (مفتاحه لينوء) .
وروي أيضًا عن يديل بن ميسرة: (مفاتحه لينوء) «٦» .
٤. ﴿الفَرِحيِنَ﴾:
وقرأ (الفَارحين) حكاه عيسى بن سليمان «٧» .
٥. ﴿وَاتَبعِ﴾:
وقرأ واتَّبعْ «٨» .
القضايا البلاغية
١. القلب:
_________________
(١) المصدر نفسه: مَادة (عصب) ١ /٦٠٥- ٦٠٦.
(٢) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٣٤٨.
(٣) لِسَان العَرَب: مَادة (فرح) ٢/ ٥٤١.
(٤) معجم القراءات القرآنية: ٥ /٣١.
(٥) المصدر نفسه: ٥/ ٣٢.
(٦) الكَشَّاف: ٣ /١٩٠. البَحْر المُحِيْط: ٧/١٣٢. معجم القراءات القرآنية: ٥/ ٣٢.
(٧) البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٣٣. روح المعاني: ٢٠ /١١٢. معجم القراءات القرآنية: ٥ /٣٢.
(٨) الكَشَّاف: ٣/١٩١.
[ ٢٣٦ ]
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا انَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ الأصل هو: لتنوء العصبة بالمفاتح، أي: لتنهض بها بجهد. وقال أبو عبيد هو كقولهم: عرضت الناقة على الحوض، وأصله عرضت الحوض على الناقة. وقيل: يجوز أن لا يكون هناك قلب لأن المفاتح تنهض ملابسة للعصبة إذا نهضت العصبة بها، ورجح الآلوسي الرأي الأول فهو منقول عن الخليل، وسيبويه، والفراء، واختاره النحاس «١» .
٢. المبالغة:
وذلك في وصف كنوز قارون حيث ذكرها جمعًا الكنوز والمفاتح، والنوء والعصبة، وأولي القوة. وقال محي الدين درويش:
" وهذه المبالغة في القرآن من أحسن المبالغات وأغربها عند الحذاق وهي أن يتقصى جميع ما يدل على الكثرة، وتعدد ما يتعلق بما يملكه " «٢» .
٣. بلاغة التعليل:
وذلك في قوله: ﴿إذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ انَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ . حسن تعليل جميل بجملة ﴿انَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ «٣» .
المعنى العام
١. ﴿انَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾:
﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ فيه وجوه:
أولًا - إنه بغى بسبب ماله، وبغيه إنه استخف بالفقراء ولم يرع لهم حق الإيمان ولا عظمهم مع كثرة أمواله.
الثاني - إنه من الظلم، قيل: ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم.
الثالث - بغى عليهم، أي: طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده «٤)
_________________
(١) إعراب القرآن (النحاس): ٢/ ٥٥٨. روح المعاني: ٢٠/ ١١١.
(٢) إعراب القرآن وبيانه وصرفه: ٥/ ٣٨٠.
(٣) المصدر نفسه: ٥/ ٣٨٠.
(٤) نقل الطبري عن ابن جريج: هو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب كان من قوم موسى يقول كان من عشيرة موسى بن عمران النبي وهو ابن عمه لأبيه وأمه. جامع البيان: ١٠ /٩٩. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة: " كان قارون ابن عم موسى أخي أبيه، وكان قطع البحر مع بني إسرائيل، وكان يسمى المنور من حسن صوته بالتوراة، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري فأهلكه الله لبغيه. ينظر تفسير ابن أبي حاتم: ٩/ ٣٠٠٥. ونقل الطبري عن ابن إسحاق: " إن يصهر بن قاهث تزوج سميت بنت بتاويت بن بركنا بن بقشان بن إبراهيم، فولدت له عمران بن يصهر وقارون بن يصهر، فنكح عمران بخنت بنت شمويل بن بركنا بن بقشان بن بركنا، فولدت له هارون بن عمران، وموسى بن عمران صفي الله ونبيه، فموسى على ما ذكر ابن إسحاق ابن أخي قارون، وقارون هو عمه أخو أبيه لأبيه ولأمه. وأكثر أهل العلم في ذلك على ما قاله ابن جريج. ينظر جامع البيان: ١٠/ ٩٩. تاريخ الطَّبَري (تاريخ الرُّسُل والملوك) . أبو جعفر مُحَمَّد بن جَرْير الطَّبَري. ت ٣١٠ هـ. تحقيق: مُحَمَّد أَبِي الفَضْل إبراهيم. دار المعارف بمصر. ط٢. ١٩٦٧ - ١٩٧٦ م: ١ /٣٨٥. الكامل في التاريخ: ١ /١١٥
[ ٢٣٧ ]
) .
الرابع - قال الضحاك: طغى عليهم واستطال، فلم يوفقهم في أمر.
الخامس - قال ابن عباس: تجبر وتكبر عليهم وسخط عليهم.
السادس - قال شهر بن حوشب: بغيه عليهم إنه زاد عليهم في الثياب شبرًا، وهذا يعود إلى التكبر.
السابع - أخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس (- ﵁ -) قال: " كان ابن عمه، وكان يبتغي العلم حتَّى جمع علمًا، فلم يزل في أمره ذلك حتَّى أبقى على موسى (- ﵇ -) وحده، وقال له موسى (- ﵇ -): إن الله أمرني أن آخذ الزكاة فآبي، فقال: إن موسى (- ﵇ -) يريد أن يأكل أموالكم جاءكم بالصلاة وجاءكم بأشياء فاحتملتموها، فتحملوه إن تعطوه أموالكم؟ قالوا: لا نحتمل، فما ترى؟ فقال لهم: أرى أن أرسل إلى بغي من بغايا بني إسرائيل فنرسلها إليه فترميه بأنه أرادها على نفسها، فأرسلوا إليها فقالوا لها: نعطيك حكمك على أن تشهدي على موسى (- ﵇ -) إنه فجر بك، قالت: نعم، فجاء قارون إلى موسى (- ﵇ -)، قال: اجمع بني إسرائيل فأخبرهم بما أمرك ربك، قال: نعم، فجمعهم، فقالوا له: بم أمرك ربك؟ قال: أمرني ربي أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تصلوا الرحم كذا وكذا، وقد أمرني في الزاني إذا زنى وقد أحصن بالرجم قالوا: وإن كنت أنت؟ قال: نعم، قالوا: فإنك قد زنيت، قال: أنا، فأرسلوا إلى المرأة فجاءت فقالوا: ما تشهدين على موسى (- ﵇ -)؟ فقال لها موسى (- ﵇ -): أشهدك بالله آلا ما صدقت؟ قالت: آما إذ أنشدتني بالله، فإنهم دعوني وجعلوا لي جعلًا على أن أقذفك بنفسي، وأنا أشهد أنك بريء وأنك رسول الله. فخر موسى (- ﵇ -) ساجدًا يبكي، فأوحى الله إليه: ما يبكيك! قد سلطناك على الأرض فمرها فتطيعك، فرفع رأسه فقال: خذيهم، فأخذتهم
[ ٢٣٨ ]
إلى أعقابهم، فجعلوا يقولون: يا موسى! يا موسى!، فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم، فجعلوا يقولون: يا موسى! يا موسى! فقال: خذيهم فانطبقت عليهم، فأوحى الله: يا موسى سالك عبادي وتضرعوا إليك فلم تجبهم، وعزتي لو أنهم دعوني لأجبتهم.
قال ابن عباس: وذلك قوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ «١» .
٢. ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾:
قال أبو السعود: " أي: الأموال المدخرة " «٢» .
ونقل الرازي رواية عن سعيد بن المسيب، والضحاك " بأن سيدنا موسى (- ﵇ -) أنزل عليه علم الكيمياء من السماء، فعلّم قارون ثلث العلم ويوشع ثلثه، وكالب ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه فكان يأخذ الرصاص فيجعله فضه والنحاس يجعله ذهبًا " «٣» .
_________________
(١) ينظر الكِتَاب المصنف في الأحاديث والآثار. أبو بكر عَبْد الله بن مُحَمَّد بن أَبِي شيبة الكوفي. (١٥٩ - ٢٣٥) . تحقيق: كمال يوسف الحوت. مَكْتَبَة الرشد. الرياض. ط١. ١٤٠٩ هـ.: ٦/ ٣٣٤. تفسير ابن أبي حاتم: ٩/ ٣٠٠٦. المستدرك على الصحيحين. الحاكم النيسابوري. مُحَمَّد بن عَبْد الله أبو عَبْد الله. ت ٤٠٥ هـ. وبذيله التلخيص للحافظ الذهبي. دار الكِتَاب العربي. بيروت. (د. ت.): ٢ /٤٤٣ قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. جامع البيان: ٢٠ /١١٧. تاريخ الرُّسُل والملوك: ١ /٢٦٤. مفاتيح الغيب: ١٣ /١٥. الدُّرُّ المنثور في التفسير بالمَأَثُوْر. الإِمَام جلال الدِّيْن السيوطي. ت ٩١١ هـ. ضبط النصّ والتصحيح وإسناد الآيات ووضع الحواشي والفهارس بإشراف دار الفكر. دار الفكر للطباعة والنشر. بيروت. (د. ت.) .: ٦ /٤٣٦.
(٢) إرْشَاد العَقل السَّلِيم: ٧/ ٢٤.
(٣) مفاتيح الغيب: ١٣/ ١٧.
[ ٢٣٩ ]
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾، قال: أصاب كنزًا من كنوز يوسف (- ﵇ -) «١» .
٣. ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾:
قيل في معنى المفاتح وجوه:
المفاتح ظاهرها أنها الذي يفتح بها، ويحتمل أن يريد أنها الخزائن والأوعية الكبار قاله الضحاك، لأن المفتح في كلام العرب الخزانة «٢» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن خيثمة قال: " كانت مفاتح كنوز قارون من جلود، كلّ مفتاح مثل الإصبع، كلّ مفتاح على خزانة على حدة، فإذا ركب حملت المفاتيح على ستين بغلًا أغرًا محجلًا " «٣» .
إن مفاتح الكنوز: إحاطة علمه بها، حكاه ابن بحر «٤» لقول الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْب﴾ «٥»، ونقل الرازي إن هناك من طعن بذلك من وجهين:
أولًا: إن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ، ولو أنا قدرنا بلدةً مملوءة من الذهب والجواهر لكفاها أعداد قليلة من المفاتح، فأي حاجة إلى تكثير هذه المفاتح.
ثانيًا: إن الكنوز هي الأموال المدخرة في الأرض، فلا يجوز أن يكون لها مفاتح.
وأجاب الرازي عن الأول: إن المال إذا كان من جنس العروض لا من جنس النقد؛ جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد. وأيضًا فهذا الذي يقال: إن تلك المفاتح بلغت ستين حملًا ليس مذكورًا في القران، فلا تقبل هذه الرواية، وتفسير القران إن تلك المفاتح كانت كثيرة، وكان كلّ واحد منها معينًا لشيء آخر، فكان يثقل على الصعبة ضبطها ومعرفتها بسبب كثرتها، وعلى هذا الوجه يزول الاستبعاد.
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم: ٩ /٣٠٠٧. الدَّرُّ المَنْثُوْرُ: ٦/٤٣٧.
(٢) المحرر الوجيز: ١٢/ ١٨٦.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم: ٩/ ٣٠٠٧.
(٤) النُّكَت والعُيون: ٣/ ٢٣٧.
(٥) سُوْرَة الأَنْعَامِ: الآية ٥٩.
[ ٢٤٠ ]
وعن الثاني: إن ظاهر الكنز وإن كان من جهة العرف ما قالوا، فقد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها إغلاق «١» .
٤. ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾
أي: نثقل وتميلهم «٢» .
(والعصبة): قال الطبري: فإنها الجماعة، واختلف أهل التأويل في مبلغ عددها الذي أريد به في هذا الوضع:
مبلغ عددها أربعون رجلا
وعن قتادة: إن العصبة ما بين العشرة إلى الأربعين.
قال آخرون: ستون رجلًا.
وعن ابن عباس: العصبة (ثلاثة)، وقال أيضًا: العصبة ما بين الثلاثة إلى العشرة.
وقيل: كانت تحمل على ما بين عشرة إلى خمسة عشر «٣» .
والذي أرجحه أن كل تلك عبارة عن روايات، ولا يعلم الحقيقي إلا الله ﷿، لأنه مما لا ينضبط عددًا.
٥. ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾:
قال الطبري: أولي الشدة «٤» .
٦. ﴿ِ إذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾:
أخرج ابن حاتم عن السدي في قوله تعالى: ﴿إذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ قال: هم المؤمنون منهم قالوا: يا قارون لا تفرح بما أوليت، فتبطر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قوله: لأن الله لا يحب الفرحين المتمدحين الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله فيما أعطاهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد أيضًا: إن الفرح هنا البغي. وعن السدي قوله: إن الله لا يحب الفرح بطرًا «٥» .
ما يستفاد من النصّ
_________________
(١) مفاتيح الغيب: ١٣ /١٦.
(٢) زَاد المَسِيْر: ٦/ ٢٤٠.
(٣) جامع البيان: ١٠ /١٠٤.
(٤) المصدر نفسه: ١٠ /١٠٢.
(٥) تفسير ابن أبي حاتم: ٩/ ٣٠٠٩.
[ ٢٤١ ]
" عرضت السورة في بدايتها قوة السلطات والحكم، وكيف باءت بالبوار مع البغي والظلم والكفران بالله والبعد عن هداه، والآن تجيء قصة قارون لتعرض سلطان المال والعلم، وكيف ينتهي بالبوار مع البغي والبطر والاستكبار على الخلق، وجحود نعمة الخالق " «١» .
وسنعرض فيما يأتي بعض المعاني والعبر التي يمكن استقصائها من قصة قارون:
أولا: دلت آيات على أن قارون كان من قوم موسى (- ﵇ -) ولم تمنعه قرابته من عذاب الله ومقته بعد أن بغى وبطر، واستكبر وابتعد عن منهج الله، ولم يسمع نصيحة الناصحين. فإن ما يمرّ به المسلمون اليوم من ضعف وتكالب الأعداء عليهم شبيه بقصة قارون، فكثير من الدول الإسلامية اليوم، وأغنياء المسلمين يملكون من الأموال الكثير، لكن هذه الأموال والموارد الكثيرة لم تستغل بالشكل الصحيح في طاعة الله، ووفق منهج الله وسنته في المال، وبينما يعيش قسم من دول المسلمين في حالة رفاهية مطبقة وترف كبير وبذخ في الملذات وفيما يغضب الله، هناك من المسلمين من يصارع الموت من الجوع والمرض بسبب الفقر، فلم تنفع المسلمين أموالهم في صد كيد الأعداء المتكالبين، فكثير من أثرياء المسلمين اليوم يستثمر أمواله في البنوك الغربية، ولا يستثمرها في البنوك الإسلامية المحتاجة.
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٦/ ٣١٢.
[ ٢٤٢ ]
ثانيا: الغنى والفقر لا يعنيان رضا الله أو سخطه على عبدة، إن الله ﷿ يعطي المال للمؤمن والكافر. قال تعالى: ﴿كُلًا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ «١»، فالله جل وعلا رب العالمين، وقد وعد واخبر بأنه ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ «٢»، فكل ذي روح يدب على الأرض، فإن الله يرزقه ويهيأ له أسباب تلقى هذا الرزق سواء كان كافرًا أو مؤمنًا «٣» . فلا يعني أبدًا وجود المال عند شخص ما أن الله راضي عنه، ولا يعني أبدًا أن تضيق الرزق على عبد ما أو فقره على سخط الله على هذا العبد. فلقد أعطى الله تعالى المال الكثير والكنوز لقارون، ولم يكن ذلك دليلًا على رضا الله عنه، لأن الله خسف به وبداره الأرض. وقال تعالى: ﴿فَأمَّا الإَنْسَانُ إذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَاكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي اكْرَمَنِ * وَأمَّا إذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهَانَنِ﴾ «٤»، فقد أنكر جل وعلا في هذه الآيات على الإنسان اعتقاده إن توسعة الرزق على الإنسان دليل على إكرام الله، أو اعتقاده أنَّ تضيق الرزق على الإنسان دليل على إهانة الله له «٥» .
_________________
(١) سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية ٢٠.
(٢) سُوْرَة هُوْد: الآية ٦.
(٣) ينظر السنن الإلهية. د. عبد الكريم زيدان. الشركة المتحدة للتوزيع. مؤسسة الرسالة. بيروت. (د. ت) .: ص ٢٧٠.
(٤) سُوْرَة الفَجْرِ: الآيات ١٦ - ١٨.
(٥) ينظر المستفاد من قصص القرآن: ١/ ٥٣١- ٥٣٣.
[ ٢٤٣ ]
ثالثًا: ودلت الآيات كذلك على ذم الله للبطر والفرح بالدنيا وزهوتها، والاغترار بالمال إثر نصيحة قوم قارون له. قال الآلوسي: " والفرح بالدنيا لذاتها مذموم، لأنه نتيجة حبها والرضا بها، والذهول عن ذهابها، فإن العلم بان ما فيها من اللذة مفارقة لا محالة يوجب الترح حتمًا، كما قال أبو الطيب:
أشدُّ الضم عندي في سرور
تيقن عنه صاحبه انتقالًا «١»
ولذلك قال تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ «٢»، وعلل سبحانه النهي هاهنا بكون الفرح مانعًا من محبته ﷿، فقال تعالى: ﴿انَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾، فهو دليل على أن الفرح بالدنيا مذموم شرعًا. وإنما قلنا إن الفرح بها لذاتها مذموم، لأن الفرح بها لكونها وسيلة إلى أمر من أمور الآخرة غير مذموم.
وليس المقصود هو النهي عن الفرح مطلقًا، فالفرح والحزن فطرة فطر الناس عليها، فالمؤمن يفرح بما يفرحه ويشكر الله على ذلك وإذا أصابه ما يحزنه يصبر. فالفرح المنهي عنه هو فرح البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم، ولما في هذا الفرح من تفضيل الدنيا على الآخرة التي هي دار الخلود" «٣» .
_________________
(١) ديوان المتنبي. أبو الطيب المتنبي. دار صادر. بيروت: ص ٢٢٤.
(٢) سُوْرَة الحَدِيْد: الآية ٢٣.
(٣) روح المعاني: ٢٠ /١١٢.
[ ٢٤٤ ]