_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٠.
(٢) المستفاد من قصص القرآن: ١ /٣٦٧.
(٣) سُوْرَة هُوْد: الآية ٩٨.
(٤) سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية ٣٣.
[ ٣٣٠ ]
﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ «١» .
المناسبة
بعد أن بينت الآيات السابقات ما جرى من محاورة بين سيدنا موسى (- ﵇ -) والإسرائيلي الذي كشف بحماقته أمر موسى (- ﵇ -)، وسمع الفرعوني كلماته فترك الخصومة وأسرع ليخبر جنود فرعون الموكلين بالبحث عن القاتل ليخبرهم بما سمع، أدرك سيدنا موسى أنه أصبح في خطر، وأن جنود فرعون سيلاحقونه، فأخذ يفكر في وسيلة للنجاة.
" وظاهر النظم أن الرجل جاء على حين محاورة القبطي مع موسى، فلذلك انطوى أمر محاورتها ما هو أهم منه وأجدى في القصة " «٢» . وفي هذه الأثناء تضيق الدنيا أمام عيني سيدنا موسى (- ﵇ -)، إلا من رحمة الله وعونه، فلا ناصر إلا هو، فهنا تسفر يد القدرة في اللحظة المطلوبة لتتم مشيئتها، فانتدبت يد القدرة واحدًا من الملأ ليحذر موسى ويخبره بضرورة خروجه من مصر «٣» .
فنلاحظ من الترابط بين هذا النص والذي قبله أن الآيات بينت الخطر الذي يمرّ به سيدنا موسى (- ﵇ -) من خلال كشف الإسرائيلي لأمر موسى، فتأتى الآيات التي بعدها لتبين التدخل الإلهي لإنقاذ نبيه (- ﵇ -) من القتل بقوله: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ﴾ .
تحليل الألفاظ
١. ﴿أَقْصَى﴾:
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٢٠ –٢١.
(٢) في ظلال القرآن: ٦ /٣٣٤.
(٣) التحرير والتنوير: ٢ ٠/٩٥.
[ ٣٣١ ]
" قَصَا عنه قَصْوا وقُصُوَّا وقَصَا وقَصاء وقَصِيَ: بَعُدَ. وقَصَا المكانُ يَقْصُو قُصُوًّا: بَعُدَ. والقَصِيُّ والقَاصِي: البعيد والجمع أقْصَاء فيها كشَاهِد وأَشْهَاد ونَصِير وأَنْصَار " «١» .
٢. ﴿يَسْعَى﴾:
قال ابن منظور: " السَّعْيُ: عَدْوٌ دُوْنَ الشَّدِّ سَعَى يَسْعَى سَعْيًا " «٢» وجاء السعي في القران الكريم على ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: المشي كقوله تعالى في ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ «٣» .
الوجه الثاني: السعي يعني العمل كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ «٤» .
الوجه الثالث: السعي يعني أسرع كقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ «٥» .
٣. ﴿الْمَلأَ﴾:
قال ابن منظور: " المَلأَ الرؤساء سموا بذلك، لأنهم مِلاء بما يحتاج إليه. والمَلأ مهموز مقصور الجماعة.
وقيل: أشراف القوم ووجوههم ورؤساؤهم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم " «٦» .
٤. ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾:
_________________
(١) لِسَان العَرَب: مَادة (قصي) ١٥/ ١٨٣.
(٢) لِسَان العَرَب: مَادة (سعي) ١٤ /٣٨٥.
(٣) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ٢٦٠.
(٤) سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية ١٩.
(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٠.
(٦) لِسَان العَرَب: مَادة (ملأ) ١ /١٩٥. وينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٤٩٢.
[ ٣٣٢ ]
قال ابن منظور: تأمَّروا على الأمْرِ. وائْتَمَرُوا: تَمَارَوْا وأَجْمَعُوا آرَاءَهم. وفي التنزيل: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ . قال أبو عبده أي: يتشاورون عليك ليقتلوك. وقال القتيبي: إن معناها إن الملأ يأتمرون بك، أي: يهمون بك، ولو كان كما قال أبو عبيدة لقال: يَتَأَمَّرُون بك. وقال الزجاج: معناها يأمُرُ بعضهم بعضًا بقتلك «١» .
وقال ابن عاشور: " أصل الائتمار قبول أمر الأمر فهو مطاوع أمره، ثم شاع إطلاق الائتمار على التشاور لأن المتشاورين يأخذ أمر بعض فيأتمر به الجميع
«٢» .
القراءات القرآنية
١. ﴿أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾:
قرئت بالإمالة وقفًا عند كل من حمزة، والكسائي، وورش، وخلف.
٢. ﴿يَسْعَى﴾:
قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وورش بالإمالة.
﴿عَسَى﴾:
قرأ حمزة، والكسائي، وورش بالإمالة أيضًا «٣» .
٤. ﴿رَبِّ﴾:
قرئت بالفتح (رَبَّىَ) عند كل من نافع، وابن كثير، وأبي عمر، وأبي جعفر «٤» .
المعنى العام
١. ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾:
قيل: إن اسم الرجل سمعون. وقيل: سمعان. وقيل: حزقيل بن صبورا مؤمن من آل فرعون، وكان ابن عم فرعون ذكر ذلك الثعلبي. وقيل: طالوت ذكره السهيلي. وقيل: شمعان «٥» .
٢. ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾:
_________________
(١) ينظر لِسَان العَرَب: مَادة (أمر) ٤ / ٢٩.
(٢) التحرير والتنوير: ٢٠ / ٩٦.
(٣) إتحاف فضلاء البشر: ص ٣٤١. غيث النفع في القراءات السبع. عَلِيّ النوري الصفاقسي. مطبوع بذيل كتاب سراج القاري المبتدي وتذكار المقرئ المنتهي. ط١. المكتبة التجارية الكبرى بمصر ١٣٥٢هـ – ١٩٣٤ م.: ص ٣١٦.
(٤) النشر في القراءات العشر: ٢ /٣٤٢. الكشف عن وجوه القراءات: ٢ /١٧٦.
(٥) ينظر جامع البيان: ١٠ /٥. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٤٩٨٢.
[ ٣٣٣ ]
قال البقاعي: " أبعدها مكانًا " «١» .
وقال ابن عاشور: " والظاهر أن (أَقْصَى الْمَدِينَةِ) هو ناحية قصور فرعون وقومه، فإن عادة الملوك السكنى في أطراف المدن توقيًا من الثورات والغارات لتكون مساكنهم بخروجهم عند الخوف " «٢» .
٣. ﴿يَسْعَى﴾:
قال قتادة: " يعجل " «٣» . وقال البقاعي: " إنه بين بقوله: ﴿يَسْعَى﴾ كان ماشيًا، ولكنه اختصر طريقًا وأسرع في مشيه، بحيث كان يعدو فسبقهم بإعظامه للسعي، وتجديد العزم في كل وقت من أوقات سعيه " «٤» .
٤. ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾:
قيل في معنى ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ ثلاثة أقوال:
الأول: يتشاورون فيك ليقتلوك، قاله أبو عبيدة.
الثاني: يهمّون بك، قاله ابن قتيبة.
الثالث: يأمر بعضهم بعضًا بقتلك، قاله الزجاج «٥» .
والذي أراه راجحًا هو الرأي الأول.
٥. ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ﴾:
قال البقاعي: " ثم علل ذلك على سبيل التأكيد ليزيل ما يطرقه من احتمال عدم القتل لكونه عزيزًا عند الملك ﴿إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ)، أي: العريقين في نصحك " «٦» .
وقد جاء ذكر الرجل المؤمن في القرآن الكريم في عدة مواضع من الَقُرْآن الكَرِيم:
استذكر على فرعون وملئه حينما قرروا قتل موسى (- ﵇ -) قال تعالى عن لسان فرعون: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ «٧» فقال لهم: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ﴾ «٨» .
_________________
(١) نظم الدرر: ٥ /٤٧٤.
(٢) التحرير والتنوير: ٢٠ /٩٥.
(٣) جامع البيان: ١٠ /٥٠.
(٤) نظم الدرر: ٥ /٤٧٤.
(٥) زَاد المَسِيْر: ٦ /٢١٠ –٢١١.
(٦) نظم الدرر: ٥ /٤٧٥.
(٧) سُوْرَة غَافِرِ: الآية ٢٦.
(٨) سُوْرَة غَافِرِ: الآية ٢٨.
[ ٣٣٤ ]
لما قال فرعون لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ «١» . ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ﴾ «٢» .
وبعد أن أمر فرعون هامان بناء الصرح استهزاءً بوعود موسى (- ﵇ -):
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ «٣» . فقال الرجل المؤمن: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِي أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ «٤»، ثم أراد تخويفهم وتهديدهم فقال لهم:
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ «٥» . قال مقاتل: قال هذه الكلمات فقصدوا قتله، فهرب هذا المؤمن إلى الجبل فلم يقدروا عليه، وقيل: نجا مع موسى في البحر وفر معه قال تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ «٦» .
٦. ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: فخرج من المدينة خائفًا يترقب لحوق الظالمين. ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: خلصني منهم واحفظني من لحوقهم «٧» .
ما يستفاد من النصّ
نستطيع أن نستنبط من الآيات السابقة المعاني الآتية:
_________________
(١) سُوْرَة غَافِرِ: الآية ٢٩.
(٢) سُوْرَة غَافِرِ: الآية ٣٠.
(٣) سُوْرَة غَافِرِ: الآيتان ٣٦ –٣٧.
(٤) سُوْرَة غَافِرِ: الآية ٣٨.
(٥) سُوْرَة غَافِرِ: الآية ٤٤.
(٦) سُوْرَة غَافِرِ: الآية ٤٥.
(٧) إرْشَاد العَقل السَّلِيم: ٧ /٨.
[ ٣٣٥ ]
أولا. إنه يجوز عند الضرورة خروج الداعي من بلده فرارًا من عدوه، ولهذا قبل موسى (- ﵇ -) نصيحة مؤمن آل فرعون بالخروج من مصر، لأن الملأ من قوم فرعون يتشاورون في قتله، ولا يعدّ هذا الفرار جبنًا من الداعية، لأن الداعي في كرّ وفرّ مع أعداء الله. والداعية إذ يفعل ذلك، فلأن حياته ليست ملكًا له، بل هي ملك الله، ومن الأولى الإبقاء عليها خدمة لدعوته، ولا يجوز له أن يعرضها للهلاك بالبقاء في مواجهة العدو مع عدم التكافئ في القوة بينه وبين عدوه.
ثانيًا. يلمح المتابع أن هناك تشابهًا كبيرًا بين خروج سيدنا موسى (- ﵇ -)، وهجرة الرسول محمد (- ﷺ -)، وما رافقها من ظروف صعبة شبيهة بالتي مرت على موسى (- ﵇ -) . فلما خشيت قريش من تفاقم أمر النبي (- ﷺ -) واتساعه، اجتمعوا في دار الندوة للتشاور فيما يجب أن يفعلوه برسول الله (- ﷺ -) فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق. وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعض آخر: أخرجوه من مكة، فقال لهم أبو جهل: أرى أن تأخذوا من كل بطن من بطون قريش غلامًا وتعطوه سيفًا فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم. قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ «١» . وهنا تتدخل القدرة الإلهية لحمايته (- ﷺ -)، فيرسل الله جل وعلا سيدنا جبريل (- ﵇ -) ليخبر الرسول (- ﷺ -) بما عزم عليه المشركون، وأخبره بأن الله أذن له بالهجرة إلى المدينة.
_________________
(١) سُوْرَة الأَنْفَالِ: الآية ٣٠.
[ ٣٣٦ ]
فقد ذكر ابن كثير أنه قال له عمه أبو طالب: هل تدري ما أتمروا بك؟ قال يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني؟ فقال من أخبرك بهذا قال ربي «١»؟