مذهب العرب في نظم الكلام أن يوازنوا كلّ الموازنة بين مطلعه ونهايته، لأجل أن يستقيم الكلام ولا يخرج أوله عن آخره، ولا آخره عن أوله، وهذا المذهب البلاغي تنبه له قدماء البلاغيين كالجاحظ «١»، وأبي هلال العسكري «٢»، وقدامة بن جعفر «٣»، وابن المعتز «٤»، وابن الأثير «٥» .
وقد جاء الَقُرْآن الكَرِيم على سنن العرب في كلامها في فنونه البديعة، وأفانينه البلاغية البيانية، وكان من ذلك أن يستقيم المعنى في أول السورة وآخرها بحيث يأخذ أولها برقبة آخرها لأجل أن يظهر الإعجاز القرآني «٦» .
_________________
(١) ينظر البَيَان والتبيين. أَبِي عثمان عمرو بن بحر. ت ٢٥٥ هـ. تحقيق: المحامي فوزي عطوي. دار صعب. بيروت. ط١. ١٩٦٨م: ١ /٢٠.
(٢) ينظر كتاب الصناعتين: النظم والشعر، العسكري، أبو هلال الحسن ابن عبد الله بن سهل ت ٣٩٥ هـ، تحقيق: مُحَمَّد علي البجاوي ورفيقه، الطبعة الأولى، مطبعة الأستانة، ١٩٥٢م: ص ١٤٩.
(٣) ينظر نقد الشعر. أسامة بن منقذ. تحقيق: مُحَمَّد زغلول سلام. الطبعة الثانية. بيروت، لبنان. مصورة عن طبعة مصر. ١٩٧٥ م: ص ٢٩.
(٤) ينظر نقد الشعر: ص ٣٨.
(٥) ينظر المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر. ضياء الدِّيْن نصر الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْد الكَرِيْم الموصلي أبو الفتح. ت ٦٣٧ هـ. تحقيق: مُحَمَّد محيي الدِّيْن عَبْد الحميد. المكتبة العصرية. بيروت. ط١. ١٩٩٥ م: ٢ /١٠٤.
(٦) ينظر الإعجاز القُرْآن. مُحَمَّد بن الطيب بن مُحَمَّد بن جعفر بن القَاسِم الباقلاني أبو بكر. ت ٤٠٣ هـ. تحقيق: السيد أحمد صقر. دار المعارف. القاهرة. (د. ت): ص ١٩٦.
[ ٢٣ ]
وقد فصل بعض ذلك البقاعي في كتابه (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) «١»، والسيوطي في كتابه (تناسق الدرر في تناسب السور) «٢» . ونجد في سُوْرَة الْقَصَصِ - التي نقوم هنا بتحليلها - أنها جاءت على هذه السنة في الأسلوب العرضي لمادتها الداخلية، ويتضح ذلك أكثر ما يتضح باستعراض مبادئ هذه العلاقة المترابطة بين فاتحة السورة وخاتمتها، وتشمل هذه المبادئ المتشابهة:
ذكر الآيات الإلهية مثل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَتُ الْكِتَبِ الْمُبِينِ﴾ «٣»، وقوله:
﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءايَتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ «٤» .
المقابلة بين الإيمان والكفر، كما في قوله: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ «٥»، وقوله: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ «٦» .
_________________
(١) ينظر مثلًا: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور. الإِمَام برهان الدِّيْن أَبِي الحَسَن إبراهيم بن عمر البقاعي. ت ٨٨٥ هـ. خرج الآيات وأحدثه ووضع حواشيه: عَبْد الرَّزَّاق غالب المهدي. الطبعة الأولى دار الكتب العلمية. بيروت. لبنان. ١٩٩٥ م: ١/ ١٢٦.
(٢) ينظر مثلًا: تناسق الدرر في تناسب السور. جلال الدِّيْن السيوطي. ت ٩١١ هـ. ط٢. تحقيق: عَبْد الله مُحَمَّد الدرويش. دار عالم الكتب. بيروت. لبنان. ١٤٠٨ هـ – ١٩٨٧ م: ١ /٢١٦.
(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢.
(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٧.
(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣.
(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٦.
[ ٢٤ ]
ذكر عاقبة العلو، كما في قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الاَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١)، وقوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ «٢»
بيان الوراثة الإيمانية، كما في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ «٣»، وقوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ «٤» .
كون كلّ طغيان يعقبه هلاك كلّ شيء يطغى به، كما في قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾ «٥»، وقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ «٦» .
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.
(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٣.
(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥.
(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٣.
(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.
(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.
[ ٢٥ ]
المقابلة بين عودة موسى (- ﵇ -) إلى أمه، وعودة رَسُول الله (- ﷺ -) إلى مكة كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ «١» وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ «٢» . فموسى (- ﵇ -) عاد إلى أمه، ورسول الله (- ﷺ -) عاد إلى أم القرى، وهو معنى استنبطناه من السياق.
فهذه المبادئ المتشابهة في حد ذاتها بين فواتح السورة وخواتيمها تدل على ما ذهبنا إليه، فسنرى مثلًا أن العلاقة بين قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَتُ الْكِتَبِ الْمُبِينِ﴾ (٣) في إشارتها إلى الَقُرْآن الكَرِيم، وما أنزل على الرسل من قبل ﵈ تماثل العلاقة مع قوله تعالى: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ «٤»، كونها إشارة إلى آيات الله تعَاَلىَ التي أنزلت على رَسُول الله (- ﷺ -) .
ثم أن هنا علاقة وثيقة بين قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾ «٥» وبين قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ «٦» لأن المفسدين مقابل لفظي للمشركين، والعلاقة بينهما علاقة تضاد الإفساد بالشرك، وهي علاقة مترابطة ترابط الإفساد والشرك.
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧.
(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.
(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢.
(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٧.
(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.
(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٧.
[ ٢٦ ]
ونجد أن قوله تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ «١» موافق تمام الموافقة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلاَّ رَحْمَةً﴾ «٢»، لأن التلاوة الإلهية متعلقة بما ألقي على رَسُول الله (- ﷺ -) من الكتاب المتلو رحمة.
ونجد أن قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ «٣» موافق في دلالته المتناسقة مضمونيًا مع قوله تعالى: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ «٤»، لأن من صفات المؤمنين أنهم يؤمنون برجوعهم لله ﷾، وهذا اتساق في المعنى.
نجد كذلك أن الآية: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ «٥» مطابقة في تناسبها المضموني مع الآية: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ «٦» في كون الآيتين تتحدثان عن الوراثة الإلهية والعودة النبوية، فكما ورث بنو إسرائيل ما تركه آل فرعون، ورث المؤمنون من أصحاب مُحَمَّد (- ﷺ -) أرضًا لم تورث إلا لهم، وهذا من الاتفاقات الإلهية التي انفردت سورة القصص بإظهارها في أبان العصر المكي.
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣.
(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٦.
(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢.
(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.
(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥.
(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.
[ ٢٧ ]
ونحن نجد أن قوله تعالى في فاتحة سُوْرَة الْقَصَصِ: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ «١» متعلقة في كون الإمامة هاهنا إمامة دعوية، أي: أئمة يدعون إلى الله ﷾، وهو ما عبرت عنه الآية القرآنية في خاتمتها ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ «٢»، لأن الدعاة إلى الله ﷾ هم أئمة الهدى الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فصفات الدعاة إلى الله تعَاَلىَ بينت في سُوْرَة الْقَصَصِ، في أولها وفي آخرها.
ونجد أن صفات المؤمنين في أولها كانت:
الإيمان ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ «٣» .
الوراثة ﴿وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ «٤» .
التمكين في الأرض ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ «٥» .
ثم نجد في خاتمة السورة أن صفات المؤمنين هي:
الإيمان ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ «٦»
الوراثة ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ «٧» .
التمكين في الأرض ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ «٨» .
_________________
(١) سورة القصص: الآية٥.
(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٧.
(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢.
(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥.
(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦.
(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٧.
(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.
(٨) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٣.
[ ٢٨ ]
وبهذا يتضح هذا التناسق بين أول السورة وآخرها، ثُمَّ أننا نجد أمرًا أخرًا هو إظهار عاقبة الطغاة والمتكبرين والمفسدين في الأرض، لقوله تعالى: ﴿وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ «١»، ويقابله في آخر السّورة قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ الله﴾ «٢»، لأن ﴿وَجُنُودَهُمَا﴾ متقابلة كلّ التقابل مع ﴿فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ الله﴾ أي: الجنود الذين كانوا يحرسون قارون، وهذا اتساق بياني في المعنى المتوافق.
وبهذا يكون أول السّورة مترابطًا كلّ الترابط مع آخرها، ومتناسبًا معه بما يجعل من داخل السورة وحدة متكاملة في مبناها ومعناها، وهو بعض أوجه الإعجاز الَقُرْآنيّ.
* * *