﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ «١» .
المناسبة
نلاحظ أن النص القرآني يعرض في هذه الآيات والتي قبلها صورًا مختلفة للإيمان وللسلوك الخلقي.
الصورة الأولى متمثلة في كفر كفار قريش وتكذيبهم للرسول (- ﷺ -) مستعينين باليهود على اختلاق الحجج الواهية وزرع الشكوك في نفوس المؤمنين كما مرّ في الآيات السابقة.
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات ٥٢ - ٥٥.
[ ٤٧٨ ]
والصورة الثانية تقدم نموذجًا أخرًا، وصورًا أخرى وهي استقامة الطبع وخلوص النية متمثلة في فريق من الذين أوتوا الكتاب الذين كانوا مثلًا للعباد الصالحين، فآمنوا بالنبي محمد (- ﷺ -) وصدقوا بالقرآن وكانوا مثالًا في الأخلاق الحميدة، كما عبر عنه المفسرون من قدماء ومحدثين
فأراد الَقُرْآن الكَرِيم بامتداحه الذين آمنوا من أهل الكتاب أن يعيب على كفار قريش عدم إيمانهم بالرسول (- ﷺ -)، فكان الأولى بهم أن يصدقوه لأنهم يعرفون صدقه وسيرته الحسنة بينهم، ونلاحظ الترابط والتناسق بين هذه الآيات والتي قبلها في مدح الَقُرْآن الكَرِيم للذين آمنوا من قريش، بالمقارنة التي استخدمها الَقُرْآن.
أسباب النزول
ذكر في سبب نزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ عدة روايات منها ما رواه الطبري عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن علي بن رفاعة، قال: خرج عشرة رهط من أهل الكتاب، منهم أبو رفاعة - يعني أباه - إلى النبي (- ﷺ -)، فآمنوا، فأوذوا، فنزلت:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ قبل القرآن «١» .
ونقل الماوردي قولين في سبب نزول هذه الآية:
أحدهما - نزلت في عَبْد الله بن سلام، وتميم الداري، والجارود العنبري وسلمان الفارسي، أسلموا، فنزلت فيهم هذه الآية والتي بعدها، قاله قتادة.
_________________
(١) جامع البيان: ١٠ /٨٥.
[ ٤٧٩ ]
الآخر - إنها نزلت في أربعين رجلًا من أهل الإنجيل كانوا مسلمين بالنبي (- ﷺ -) قبل مبعثه اثنان وثلاثون رجلًا من الحبشة أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب وقت قدومه، وثمانية قدموا من الشام منهم بحيرة، وغبرهة، والأرشف، وعامر، وايمن، وإدريس، ونافع، فأنزل الله فيهم هذه الآية، والتي بعدها إثر قوله: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ «١» .
ونقل القرطبي رواية عن عروة بن الزبير أنها نزلت في النجاشي وأصحابه، ووجه باثني عشر رجلًا، فجلسوا مع النبي (- ﷺ -)، وكان أبو جهل وأصحابه قريبًا منهم، فآمنوا بالنبي (- ﷺ -)، فلما قاموا من عنده تبعهم أبو جهل ومن معه، فقال لهم: خيبكم الله من ركب، وقبحكم من وفد، ولم تلبثوا أن صدقتموه، وما رأينا ركبًا أحمق منكم ولا أجهل، فقالوا: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾، لم نأل أنفسنا رشدًا.
﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ «٢» .
ولا يمكن ترجيح رواية على أخرى، ولكن الذي أراه مناسبًا أنها نزلت عامة فيمن كان قبل رسالة النبي (- ﷺ -) على دين سماوي ولما جاء المصطفى (- ﷺ -) آمنوا به وأوذوا في سبيل الإسلام أشد الأذى فصبروا.
تحليل الألفاظ
١. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾:
الإيمان ضد الكفر والإيمان بمعنى التصديق ضده التكذيب يقال: آمن به قوم وكذب به قوم.
_________________
(١) ينظر النُّكَت والعُيون: ٣ /٢٣٢.
(٢) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠١٢.
[ ٤٨٠ ]
وقال الزجاج: الإيمان إظهار الخضوع والقبول للشريعة ولما أتى به النبي
(- ﷺ -) واعتقاده وتصديقه بالقلب، فمن كان على هذه الصفة فهو مؤمن مسلم غير مرتاب ولا شاك، وهو الذي يرى أداء الفرائض واجب عليه لا يدخله في ذلك ريب (١) .
وقال الراغب الأصفهاني: " الإيمان يستعمل تارة اسمًا للشريعة التي جاء بها محمد (- ﷺ -)، ويوصف بها كل من دخل في شريعته مقرًا بالله وبنبوته قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئُونَ﴾ «٢» .
وتارة يستعمل على سبيل المدح ويراد به إذعان النفس للحق على السبيل التصديق «٣» .
٢. ﴿مُسْلِمِينَ﴾:
الإسلام والاستلام الانقياد والإسلام من الشريعة إظهار الشريعة والتزام ما أتى به النبي (- ﷺ -) وبذلك يحقن الدم. قال ثعلب: الإسلام باللسان، والإيمان بالقلب. قال الأزهري: الإسلام إظهار الخضوع والقبول لما أتى به الرسول (- ﷺ -)، وبه يحقن الدم فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الإيمان «٤» .
٣. ﴿وَيَدْرَءُونَ﴾:
الدَرّءُ الدَفّعْ دَرَأهُ يَدْرؤهُ دَرْءًا وَدْرأهً دَفَعهُ وتدارَأ القومُ تدافعوا في الخصومة ونحوها ودرأت بالهمز دافَعْت، وكل من دَفْعتهُ عنك فقد دَرَأْتهُ
والمدارَأَةُ المخالفةُ المدافعة «٥» .
قال الراغب الأصفهاني: " الدرْءُ المَيلُ إلى أحَدِ الجانبين يقال: قوّمتُ َدرْأهُ وَدَرأتُ عنه دَفعْتُ عن جانبه " «٦» .
٤. ﴿اللَّغْوَ﴾:
_________________
(١) لِسَان العَرَب: مَادة (أمن) ١٣/٢١.
(٢) سُوْرَة المَائِدَة: الآية ٦٩.
(٣) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٢٢.
(٤) لِسَان العَرَب: مَادة (سلم) ١٢/ ٢٩٣-٢٩٤.
(٥) لِسَان العَرَب: مَادة (درأ) ١١/ ٧١.
(٦) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ١٦٨.
[ ٤٨١ ]
الّلغا الّسقط وما لا ُيعتّد به من كلام وغيره، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع. اللّغو والّلغا والَلغوْي ما كان من الكلام غير معقود عليه. اللغو في الإيمان ما لا يعقد عليه القلب مثل قولك (لا والله) . قال الشافعي: اللغو في لسان العرب الكلام غير المعقود عليه «١» .
القضايا البلاغية
في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ عبر الَقُرْآن الكَرِيم عنهم باسم الإشارة لتنبيه على أنهم جديرون بما سيذكر بعد اسم الإشارة من الأوصاف.
﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ أي أعمالنا مستحقة لنا كناية عن ملازمتهم إياها. وأما قوله: ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ فهو تتميم على حد ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ «٢» .
﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ المقصود من السلام أنه سلام المباركة المكنى بها عن الموادعة أن لا نعود لمخاطبتكم. قال الحسن: كلمة (السلام عليكم) تحية بين المؤمنين، وعلامة الاحتمال من الجاهلين، ولعل الَقُرْآن غير مقالتهم بالتقديم والتأخير لتكون مشتملة على الخصوصية المناسبة للإعجاز، لأن تأخير الكلام الذي فيه المباركة إلى أخر الخطاب أولى ان يكون فيه براعة المقطع " «٣» .
المقابلة في قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ فإن الحسنة مقابلة للسيئة، وقد زادت بها الجملة جمالًا.
_________________
(١) لِسَان العَرَب: مَادة (لغو) ١٥/٢٥٠.
(٢) سُوْرَة الكَافِرُوْن: الآية ٦.
(٣) ينظر التحرير والتنوير: ٢٠ /١٤٦.
[ ٤٨٢ ]
ونحن نرى أن القضايا البلاغية في هذه الآيات هو ما يتمثل في قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ آفاق في الكلام تقديمًا وتأخيرًا إذ الأصل يدرءون السيئة بالحسنة، ولكن لما كان ذكر الحسنة مقدمًا بلاغيًا على ذكر السيئة قدمت الحسنة وأضيف لهما باء الجر.
المعنى العام للآيات
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ﴾
قال الماوردي: " في معناها وجهان:
أحدهما - يعني الذين آتيناهم التوراة والإنجيل من قبل الَقُرْآن وهم بالقرآن يؤمنون قاله يحيى بن سلام.
الثاني - الذين آتيناهم التوراة والإنجيل هم بمحمد (- ﷺ -) يؤمنون، قاله ابن شجرة " «١» .
وهاهنا يثور سؤال مهم: هل المقصود بالذين آتيناهم الكتاب اليهود وحدهم أم اليهود والنصارى؟
والذي أراه أن سياق الآيات يدلّ على أن المقصود جميع أهل الكتاب من يهود ونصارى على اختلاف مشاربهم، فكلهم يعرفون رَسُول الله (- ﷺ -) كما يعرفون أبنائهم، ولكن كفر من كفر منهما حسدًا وحقدًا وغلًا " «٢» .
﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾، أي: من قبل الَقُرْآن. وقيل: من قبل مُحَمَّد (- ﷺ -) ﴿هُمْ بِهِ﴾، أي: بالقرآن أو بمحمد (- ﷺ -) ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ «٣» .
_________________
(١) النُّكَت والعُيون: ٣ /٢٣٢.
(٢) ينظر مُحَمَّد في الكتاب المقدس. عبد الأحد داود. الطبعة الثالثة. قطر. الدار الإسلامية. ١٤٠٤ هـ.: ص ١١٥.
(٣) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠١٣.
[ ٤٨٣ ]
﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾، أي: إذا قريء عليهم الَقُرْآن قالوا صدقنا بما فيه ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ . وقال الرازي: " قوله إنه الحق من ربنا يدلّ على التعليل يعني أن كونه حقًا من عند الله يوجب الإيمان به. وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ بيان لقوله: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ لأنه يحتمل أن يكون إيمانًا قريب العهد وبعيد، فأخبروا أن إيمانهم به متقادم، وذلك لما وجدوه في كتب الأنبياء ﵈ المتقدمين من البشارة بمقدمه «١» . وهو ما تدلّ عليه المعاني الكامنة في الآية الكريمة: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾، وذكروا في معناها عدة وجوه، وهي:
الأول - إنهم صبروا على الإيمان بمحمد (- ﷺ -) قبل أن يبعث ثُمَّ على إتباعه حين بعث، قاله الضحاك.
الثاني - يؤتون أجورهم مرتين مرة بإيمانهم بالأنبياء الذين كانوا قبل مُحَمَّد (- ﷺ -) ومرة أخرى بإيمانهم بمُحَمَّد (- ﷺ -) .
الثالث - قال مقاتل: هؤلاء لما آمنوا بمُحَمَّد (- ﷺ -) شتمهم المشركون فصفحوا عنهم فلهم أجران، أجر على الصفح، وأجر على الإيمان، فيروى أَنهم لما أسلموا لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه.
ويرجح الرازي القول الأول، ويستدل على ذلك بأنه تعالى لما بين أنهم آمنوا بعد البعثة، وبيّن أيضًا أنهم كانوا به مؤمنين قبل البعثة، ثُمَّ أثبت الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك " «٢» .
_________________
(١) ينظر مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٦٢. البَحْر المُحِيْط: ٧ /١٢٥.
(٢) ينظر زَاد المَسِيْر: ٦ /٢٣٠. مفاتيح الغيب: ١٢/ ١٦٢.
[ ٤٨٤ ]
والذي أرجحه هو القول الثاني بأنهم يؤتون أجرهم مرتين لإيمانهم بأنبيائهم الذين كانوا قبل النبي (- ﷺ -)، ومرة لإيمانهم بمحمد (- ﷺ -)، فعن أبي موسى الأشعري (- ﵁ -): «أن رَسُول الله (- ﷺ -) قال: ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي (- ﷺ -) فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران، وعبد مملوك أدّى حق الله تعَاَلىَ وحق سيده فله أجران، ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها ثُمَّ أدبها فأحسن أدبها، ثُمَّ أعتقها وتزوجها فلها أجران " «١» .
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ " فيه عدة وجوه:
أحدهما - (يدفعون) بالعمل الصالح ما تقدم من ذنب، قاله ابن شجرة.
الثاني - يدفعون بالحلم جهل الجاهل.
الثالث - يدفعون بالسلام قبح اللقاء، وهذا معنى قول النقاش.
الرابع - يدفعون بالمعروف المنكر، قاله ابن جبير.
الخامس - يدفعون بالخير الشر، قاله ابن زيد.
السادس - يدفعون بالتوبة ما تقدم من المعصية " «٢» .
وأغلب هذه الأقوال يدلّ على مكارم الأخلاق وذات معنى متقارب ولا نجد فيها خلافًا كبيرًا.
يقول القرطبي: " فهذه آية مهادنة، وهي من صدر الإسلام، وهي مما نسختها آية السيف وبقي حكمها فيما دون الكفر يتعاطاه أمة محمد (- ﷺ -) إلى يوم القيامة «٣» .
_________________
(١) متفق عليه. صحيح البخاري: كتاب العلم، باب العلم ١ /٢٢٩. . صحيح مسلم كتاب الإيمان باب الإيمان ٢٤١ –٢٤٥.
(٢) النُّكَت والعُيون: ٣ /٢٣٢.
(٣) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦ /٥٠١٤.
[ ٤٨٥ ]
ومنه قوله (- ﷺ -) لأبي ذر: «اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» «١» .
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ في سبيل الخير ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ فيه ثلاثة أقوال:
قال مجاهد: السبّ والأذى.
وقال الضحاك: الشرك.
وقال ابن زيد: ما غيرته اليهود من وصف الرَّسُول (- ﷺ -)
﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ وتركوه تكرمًا «٢» .
والراجح أنهم إذا سمعوا ما قال المشركون من الأذى والشتم، أعرضوا عنه ولم ينشغلوا به كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ «٣» .
أما قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ فقال الطبرسي: " أي: لا نسأل نحن عن أعمالكم ولا تسألوا عن أعمالنا، بل كلّ منا يجازى على عمله " «٤» .
وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ «٥» .
﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ قال صاحب الخازن: " ليس المراد من (سلام) تحية، ولكن سلام المشاركة، والمعنى: سلمتم منا لا نعارضكم بالشتم " «٦» .
﴿لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ " لا نطلب صحبتهم ولا نريد مخالطتهم " «٧» .
ما يستفاد من النصّ
_________________
(١) سنن الترمذي: ٤ /٣٣٥ وقال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح. المستدرك على الصحيحين: ١ /١٢١ من حديث أبي ذر قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٢) ينظر روح المعاني: ٢٠ /٩٥.
(٣) سُوْرَة الْفُرْقَانَ: الآية ٧٢.
(٤) مجمع البيان: ٧ /٢٥٨.
(٥) سُوْرَة الْفُرْقَانَ: الآية ٦٣.
(٦) لُبَاب التَأَوْيِل: ٣ /٤٣٦.
(٧) إرْشَاد العَقل السَّلِيم: ٧ /١٩.
[ ٤٨٦ ]
نستدل من إيمان هؤلاء النفر من أهل الكتاب بنبوة المصطفى (- ﷺ -) أن جميع رسالات الله ذات أصل واحد فيما يتعلق بالعقائد ومكارم الأخلاق، فهي قاطبة تدعو إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتدعو إلى فعل الخير، وتنهى عن فعل الشر، وتأمر بطاعة الله. والَقُرْآن الكَرِيم قد احتوى على تلك الأسس جميعًا من حلال وحرام، وترغيب وترهيب، ومواعظ وقصص، فجاء مصدقًا للأنبياء من قبله، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ «١» وكذلك تضمن الَقُرْآن فضلًا عن ذلك أحكام وتشريعات جديدة تتناسب ورسالة الله الخاتمة.
لما كان الَقُرْآن الكَرِيم مشتملًا على أصول كتبهم ومصدقًا لنبوة أنبيائهم ودعا الناس للإيمان بهم، فصار كفر أهل الكتاب بالنبي (- ﷺ -) أو بكتابه كفرًا بكتبهم ورسلهم، فإن التوراة قد بشرت بنبوته (- ﷺ -) في عدة أسفار «٢»، وكذلك الإنجيل، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ «٣» .
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ودلت هذه الآية كذلك على صفة أخرى من صفات الأتقياء، وهي بذل المال في سبيل الله.
_________________
(١) سُوْرَة البَقَرَةِ: الآية ١٠١.
(٢) إظهار الحق. رحمة الله الهندي. الطبعة الرابعة. دار جدة. السعودية. ١٣٨٨ هـ: ١٢/ ١٤٥.
(٣) سُوْرَة الصَّفِ: الآية ٦.
[ ٤٨٧ ]
ودل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ الآية، على الدعوة بالابتعاد عن اللغو، والابتعاد عن الدخول في المنافسات والجدال العقيم في مسائل أخلاقية غير مهمة والابتعاد عن مجادلة الجهلة لأن الجدل مع أهل اللغو لغو، والتركيز على كلّ ما يربط الإنسان بخالقه.
نستدل من الآيات على أن الكفر برسالة بمحمد (- ﷺ -) يدخل اليهود والنصارى في الكفر ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ «١» ما دامت الدعوة قد بلغتهم على اختلاف مشاربهم المذهبية.