﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ «١»
المناسبة
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيات ٢٥ - ٢٨.
[ ٣٤٩ ]
قال تعالى قبل هذه الآيات: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ «١» " ولما كان سماعهما لقوله هذا مع إحسانه إليهما سببًا لدعاء شعيب (- ﵇ -) قال بانيًا على ما تقديره: فذهبت المرأتان إلى أبيهما فحدثتاه بخبرهما وبإحسانه إليهما، فأمر بدعائه ليكافئه، قال تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ﴾، أي: بسبب قول الأب، وعلى الفور " «٢» . فجاءت فاء التعقيب في قوله تعالى:
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ مشعرةً باستجابة الله له بأن ألهم شعيبًا أن يرسل وراءه لينزله عنده ويزوجه ابنته «٣» .
فنلاحظ مرة أخرى الإعجاز القرآني في استخدام الحروف في مواضعها بحيث تغني عن جمل كثيرة، ونلاحظ كذلك التناسب في موارد مجيء الحروف في الجمل القرآنية، ونرى كيف أن هذه الآية جاءت متناسقة متناسبة مع الآية التي سبقتها في كمال المعنى واكتماله.
تحليل الألفاظ
١. ﴿اسْتِحْيَاءٍ﴾:
الحياء التوبة والحِشْمَة، وقد حَيَي منه حَيَاء واسْتحيا واسْتَحَى، حذفوا الياء الأخيرة كراهية التقاء الياءين، والأخيرتان تتعديان بحرف وبغير حرف يقولون: اسْتَحياء منك واسْتَحْياك، واسْتَحَى منك واسْتَحَاك قال ابن بري: شاهد الحياء بمعنى الاسْتحياء «٤» . وقال الراغب الأصفهاني: الحياء انقباض النفس عن القبائح وتركها
«٥» .
٢. ﴿لِيَجْزِيَكَ﴾:
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٤.
(٢) نظم الدر: ٥/ ٤٧٥.
(٣) ينظر التحرير والتنوير: ٢٠/ ١٠٣.
(٤) ينظر لسان العرب: مادة (حيي) ١٤/ ٢١٧.
(٥) معجم مفردات ألفاظ القران: ١٤٠.
[ ٣٥٠ ]
الجزاء المكافأة على الشيء جَزَاء به وعليه جَزَاء جَازَاه مُجَازَاة وجَزَاء. قال أبو الهيثم: الجزاء يكون ثوابًا ويكون عقابًا «١» .
٣. ﴿حِجَجٍ﴾:
الحجّ: القصد حجّ إلينا فلان، أي: قَدِم. وحَجَّه يُحِجَّه حَجًّا قصده يقرا بفتح الحاء وكسرها والفتح الأصل. والحَجُّ اسم العمل والحَجّ والحِجّ ليس عند الكسائي بينها فرقان وغيره يقول: الحَجّ حَجّ البيت. والحِجّ عمل السُّنَّة. والحِجّة السَّنَة والجمع حِجَج «٢» .
وقال ابن عاشور: الحِجَج جمع حِجَة بكسر الحاء، وهي السُّنَّة مشتقة من اسم الحَجّ، لأن الحَجّ يقع كل سنة وموسم الحَجّ يقع في آخر شهر من السنة العربية
«٣» .
القراءات الَقُرْآنيّة
١. ﴿فَسَقَى﴾:
قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وورش بالإمالة.
٢. ﴿تَوَلَّى﴾:
قرأ حمزة، والكسائي، وورش بالإمالة «٤» .
٣. ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا﴾:
قرأ ابن محيصن: (فجاءتهُ احْداهما) بحذف الهمزة على غير قياس كقولهم يا أبا فلان «٥» .
٤. ﴿يَا أَبَتِ﴾:
قرأ ابن عامر (يا أبتَ) .
وقرأ ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب، وأبو جعفر (يا أَبَهْ) وقفًا «٦»
٥. ﴿أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى﴾:
_________________
(١) ينظر لسان العرب: مادة (جزى) ١٤/ ١٤٣.
(٢) لسان العرب: مادة (حجج) ٢/ ٢٧٧.
(٣) التحرير والتنوير: ٢٠/ ١٠٧.
(٤) غيث النفع: ص ٣١٦. معجم القراءات القرآنية: ٥/ ١٤.
(٥) المحتسب: ٢/١٥٠. البَحْر المُحِيْط: ٧/١١٤. الدُّرُّ المَصُون: ٥/ ٣٣٨.
(٦) النشر في القراءات العشر: ٢/ ١٣١. التيسير في القراءات السبع. أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني. ت ٤٤٤ هـ. تحقيق: أوتو برترزل. طبع دار الكتب العلمية. بيروت. ١٩٩٦.: ص ١٢٧. إتحاف فضلاء البشر: ص ٣٤٢.
[ ٣٥١ ]
روى عن أبي عمرو (أنكحك حْدى) بحذف همزة إحدى «١» .
٦. ﴿هَاتَيْنِ﴾:
قرأ ابن كثير (هَاتَّيْنِ) بتشديد النون «٢» .
٧. ﴿سَتَجِدُنِي﴾:
قرأ نافع، وأبو جعفر: (سَتَجِدْنيَ) «٣» .
٨. ﴿أَيَّمَا﴾:
قرأ أبو عمرو، والعباس، والحسن بسكون الباء (أَيْمَا) . وقرأ ابن مسعود (أيَّ الأجلين ما قضيت) بإقحام ما بين الأجلين وقضيت، فإن قلت: ما الفرق بين موقعي (ما) المزيدة في القراءتين؟ قلت: وقعت في المستفيضة مؤكدة الإبهام، أي: زائدة في شياعها، وفي الشاذة تأكيد القضاء كأنه قال، أيّ: القضاء صممت على قضاءه وجردت عزيمتي له «٤» .
٩. ﴿عُدْوَانَ﴾:
قرأ أبو حيوة، وابن قطيب: (عِدْوَان) «٥» .
القضايا البلاغية
١. قوله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾:
_________________
(١) البحر المحيط: ٧/ ١١٥. مختصر في شواذ القُرْآن (كتاب القراءات الشاذة) من كتاب البديع. لابن خالويه. ت ٣٧٠ هـ. تحقيق: برجستراسر. الطبعة الثانية. بيروت، لبنان ١٩٨٦ م.: ١١٢.
(٢) النشر في القراءات العشر ١/ ٣١٢-٣١٣. التيسير في القراءات السبع: ص ٩٥. الدر المصون: ٥/ ٣٣٩.
(٣) التيسير في القراءات السبع: ص ١٧٢. إتحاف فضلاء البشر: ص ٣٤٢. معجم القراءات القرآنية ٥/ ١٦
(٤) الكشاف: ٣/ ١٧٤. البحر المحيط: ٧/ ١١٥.
(٥) البحر المحيط ٧/ ١١٥.
[ ٣٥٢ ]
هي من الآيات الصورية التي تصور لنا امرأة كلها حياء وعفة وحشمة استدللنا عليه بقوله تعالى: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾، فذكر الفعل المضارع
(تمشي) ليبني عليه قوله: ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾، وإلا فان فعل (جاءته) مغن عن ذكر (تمشي)، واستخدم (على) للاستعلاء المجازي مستعارة للتمكن من الوصف، والمعنى أنها مستحية في مشيها، أي: تمشي غير متبخترة ولا متثنية، ولا مظهرة زينة، ولكنها مبالغة في الحياء و(الاستحياء) مبالغة في الحياء «١» .
" فان المتبع لقوله تعالى: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ لا يجد له نظيرًا في كافة التعبيرات الإنشائية البلاغية، وما ذلك إلا لأن استعارة المشي الحقيقي لمجازية الاستحياء مشعرة بالتصوير البياني الخاص بالصورة الفنية بكل أوجهها من حقائق السير إلى مجازات الحياء بأنواعه فالآية قمة من قمم الإعجاز التصويري القرآني "
«٢» .
٢.الكلام الجامع المانع:
_________________
(١) التحرير والتنوير: ٢٠/ ١٠٣
(٢) الإعجاز التمثيلي في آيات الوصف: ٤٢٤
[ ٣٥٣ ]
في قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ في هذه الآية فنون عديدة، فلهذا جعلها علماء البلاغة أنها من الكلام الجامع المانع الحكيم الذي لا يزاد عليه، لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان في القائم بأمرك والمتعهد لشؤونك وهما الكفاية والأمانة، فقد فرغ بالك وتم مرادك وأصبح هذا القول مثلًا يتداوله الناس على مر العصور، وقد استغنت بإرسال هذا الكلام الذي سياقه سياق المثل والحكمة أن تقول استأجره لقوته وأمانته. وفي التعميم الذي هو أجمل وأليق في مدح النساء للرجال من المدح الخاص، وأبقى للتحشم والتصون ولا سيما بعد أن فهمت غرض أبيها وهو تزويجها منه، وهذا الإبهام من ابنة شعيب (- ﵇ -) قد سلكته زليخا مع يوسف (- ﵇ -)، ولكن شتان ما بين الحياء المجبول والمستعمل حيث قالت لسيدها: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ «١»، وهي تعني ما جزاء يوسف بما أرادني من السوء إلا أن تسجنه، أو تعذبه عذابًا أليمًا، ولكنها أوهمت زوجها الحياء أن تنطق بالعصمة منسوبًا إليها الخنا إيذانًا بان هذا الحياء منها الذي يمنعها أن تنطق بهذا الأمر يمنعها من مراودة يوسف بطريقة الأحرى والأولى. إذًا هذه الآية قد حوت الإيجاز والمثل والتعميم والإبهام «٢» .
_________________
(١) سُوْرَة يُوْسُف: الآية ٢٥.
(٢) ينظر الكشاف: ٣/ ١٧٢، والانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال. نَاصِر الدِّيْن أحمد بن مُحَمَّد بن المنير الإسكندري المالكي. ت ٦٨٣ هـ. دار الكِتَاب العربي. بيروت. لبنان. (د. ت.) .: ٣/ ١٧٢.
[ ٣٥٤ ]
٣.الإيجاز «١» في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ إيجاز بليغ:
فان معنى شق عليه الأمر مترجح بين اليأس والرجاء، وفيه إيماء إلى أولئك المعاسرين الذين يكلفون عمالهم أعمالًا تربو على طوقهم وتتجاوز حدود قدرتهم المعهودة، وعلى هذا درجت الشرائع في حسن المعاملة والأخذ بالأسهل «٢» .
المعنى العام
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾
ذكر الطبري أنه جاءت إحدى المرأتين اللتين سقى لهما تمشي على استحياء من موسى وقد سترت وجهها بثوبها، وعن سيدنا عمر بن الخطاب (- ﵁ -) قال:
«مستترة بكم درعها، أو بكم قميصها» «٣» .
﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ قال الآلوسي: " وأسندت الدعوة إلى أبيها وعللتها بالجزاء لئلا يوهم كلامها ريبة، وفيه من الدلالة على كمال العقل والحياء والعفة ما لا يخفى. فقام معها موسى (- ﵇ -)، فقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف جسدك " «٤» .
﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
قال ابن عطية: " فوصل موسى (- ﵇ -) إلى داعيه، فقص إليه أمره من أوله إلى أخره، فآنسه بقوله: لا تخف من القوم الظالمين، وكانت مدين خارجة عن مملكة فرعون " «٥» .
شبه وردها
_________________
(١) الإيجاز: أن يكون اللفظ أقل من المعنى مع الوفاء به، وإلا كان إخلالًا يفسد الكلام. معجم المصطلحات البلاغية: ١ /٣٤٤.
(٢) إعراب القران وبيانه وصرفه: ٥/ ٣١٠.
(٣) جامع البيان: ١٠/ ٥٨.
(٤) روح المعاني: ٢٠ /٥٩.
(٥) المحرر الوجيز: ١٢/ ١٦٠.
[ ٣٥٥ ]
ذكر الزمخشري، والرازي «١» مجموعة افتراضات لشبه أجابا عنها مدارهما على قول ابنة الشيخ الكبير: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ .
الشبهة الأولى:
فان قيل: كيف ساغ لموسى (- ﵇ -) أن يعمل بقول امرأة، وأن يمشي معها وهي أجنبية؟
الجواب عنها: أما العمل بقول امرأة، فكما يعمل بقول الواحد حرًا كان أو عبدًا، ذكرًا كان أو أنثى في الأخبار، وما كانت إلا مخبرة عن أبيها بأنه يدعوه ليجزيه. وأما مماشاته امرأة أجنبية فلا باس بها في نظائر تلك الحال مع ذلك الاحتياط والتورع.
الشبهة الثانية:
إنه سقى أغنامها تقربًا إلى الله تعالى، فكيف يلق به أخذ الأجرة عليه، فان ذلك غير جائز في المروءة ولا في الشريعة؟
الجواب: إن المرأة وإن قالت ذلك، فَلعَلَّ موسى (- ﵇ -) ما ذهب إليهم طلبًا للأجرة، بل للتبرك برؤية ذلك الشيخ. وروي أنها لما قالت: ليجزيك كره ذلك. ولما قدم إليه الطعام امتنع وقال: (إنا أهل البيت لا نبيع ديننا بدنيانا ولا نأخذ على المعروف ثمنًا) . حتَّى قال شعيب هذه عادتنا مع كلّ من ينزل بنا. وأيضًا فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ به إلى حيث ما كان يطيق تحمله، فقبل ذلك على سبيل الاضطرار.
الشبه الثالثة:
كيف يليق بشعيب النبي (- ﵇ -) أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شاب قبل العلم بكون ذلك الرجل عفيفًا أو فاسقًا؟
الجواب: لعله (- ﵇ -) كان قد علم بالوحي طهارتها وبراءتها فكان يعتمد عليها.
_________________
(١) الكشاف: ٣/١٧١. مفاتيح الغيب: ١٢ /٢٤١.
[ ٣٥٦ ]
والذي يظهرا من خلال قراءة متفحصة للآية أن المسافة كانت قصيرة جدًا بدليل سرعة رجوعها إلى سيدنا موسى (- ﵇ -)، فالذي يبدو أنهم كانوا ساكنين بقرب بئر الماء على عادة أهل البادية بالتجمع قرب مصادر المياه بحيث يرى ابنته حينما ذهبت لدعوة موسى، فهي قريبة منه، فلا خوف عليها، وإنه حسن الظن به بسبب مدح بناته له لأنه سقى لهما، فهو يحمل صفة المروءة والمساعدة.
﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾
قال أبو حيان: إن القائلة هي التي ذهبت إلى موسى والتي تزوجها فيما بعد
«١» . وجاء لفظ استأجرت بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف.
وعن ابن مسعود (- ﵁ -) قال: " أفرس الناس ثلاثة: بنت شعيب وصاحب يوسف في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا﴾ «٢»، وأبو بكر في عمر.
فقد عرفت قوته من رفعه الصخرة ولا يطيقه إلا عشر رجال. وقيل: أكثر، وأمانته من قوله لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق «٣» .
﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾
يفهم من قوله: (هاتين) على أنه كان له غيرهما، وأراد بهاتين الحاضرتين اللتين سقيت لهما ليتأملها، فينظر من يقع اختياره عليها منها ليعقد له عليها «٤» . وجعل لموسى اختيار إحداهما لأنه قد عرفها، وكانت التي اختارها موسى (صفّورة) وهي الصغرى وإنما اختارها دون أختها لأنها التي عرف أخلاقها باستحيائها وكلامها، فكان ذلك ترجيحًا لها عنده «٥» .
_________________
(١) الكشاف: ٣/١٧٢.
(٢) سُوْرَة يُوْسُف: الآية ٢١.
(٣) ينظر المحرر الوجيز: ١٢/١٦. الدَّرُّ المَنْثُوْرُ: ٦/٤٠٥.
(٤) ينظر المحرر الوجيز: ١٢/١٦٠. روح المعاني: ٢٠/٦٧.
(٥) التحرير والتنوير: ٢٠/١٠٦.
[ ٣٥٧ ]
﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ﴾
أي: " قال أبو المرأتين اللتين سقى لهما موسى: إني أريد أن أزوجك إحدى ابنتيّ على أن تكون أجيرًا لي ثماني سنوات ترعى لنا فيها غنمي، فإن أتممت الثماني السنين التي شرطتها عليك فجعلتها عشرًا فإحسان من عندك، وما احب أن أشاقك بمناقشة، أو مراعاة أوقات، أو أكلفك ما فيه مشقة، وإنك ستجدني إن شاء الله ممن تحسن صحبتهم ويوفون بما تريد من خير لك ولنا " «١» .
﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ
وَكِيلٌ﴾
أي: " ذلك الذي عاهدتني فيه قائم بيننا لا نخرج عنه، أيما الأجلين أطولهما أو أقصرهما وفيتك إياه، فلا يتعدى عليّ بطلب الزيادة، فكما لا أطالب بالزيادة على العشر لا أطالب بالزيادة على ثماني، أو فلا أكون معتديًا بترك الزيادة عليه كقولك: لا إثم علي، وهو أبلغ في إثبات الخيرة وتساوي الأجلين في القضاء من أن يقال إن قضيت الأقصر فلا عدوان علي «٢» . والله على ما نقول وكيل حافظ يراقبنا ويعلم ما تعاقدنا عليه " «٣» .
ما يستفاد من النصّ
يمكن أن نستنتج المعاني الآتية من الآيات القرآنية الخاصة بزواج سيدنا موسى:
فقد رأينا الحياء والعفة المتمثلتين في ابنة سيدنا شعيب (- ﵇ -) وهو ما ينبغي لكل امرأة أن لا ترفع عنها هذه النعمة العظيمة التي يريد أعداء الله أن ينتزعوه عنها بدعوى الثقافة والانفتاح.
_________________
(١) تفسير المراغي: ٢٠/٥٢.
(٢) أنوار التنزيل: ٢/٢١٤.
(٣) تفسير الكريم الرحمن: ٤/ ١٤.
[ ٣٥٨ ]
ودلت كذلك على جانب عظيم من المروءة المتمثل بمساعدة سيدنا موسى (- ﵇ -) في السقي لبنات شعيب، وعدم أخذ الأجرة على ما قدمه من مساعدة وابتغاء بهذا العمل وجه الله جل وعلا.
ودلت الآيات كذلك على ضرورة أن يجتمع في العمل شرطان أساسيان وهما: القوة، والأمانة. فلا تصلح القوة بلا أمانة، ولا تنفع الأمانة بلا قوة.
ودلت كذلك على جملة من المسائل الفقهية وهذا ما سنناقشه في مبحث خاص.