﴿وَنُرِيدُ انْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الارْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ «٦» .
المناسبة
_________________
(١) سُوْرَة النَّازِعَاتِ: الآية ٢٤.
(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٨.
(٣) سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية ١٢٨.
(٤) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٣ /٢٦٩٨.
(٥) الروايات التفسيرية عن عَبْد الله بْن عَبَّاس ﵄. د. حسن عبد المجيد. الطبعة الأولى. الدار السعودية. جدة. ١٤١٢ هـ: ص ١٩٨.
(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٥ - ٦.
[ ٢٢٠ ]
أخبر جل وعلا فيما سبق من الآيات عن فعل فرعون الشنيع بقتل الأولاد واستحياء النساء، واستضعاف بني إسرائيل وتفرقهم شيعًا لغرض المحافظة على دوام ملكه كما يعتقد، لأن كهنته وعلماءه أخبروه بأنه سيولد مولود من بني إسرائيل يكون زوال الملك على يديه. ثُمَّ عطفه على هذه الأفعال الشنيعة لفرعون. فمنّ الله على عباده المستضعفين بأن يخلصهم من فرعون ويورثهم ملكهم.
وقال البقاعي: " عطف عليه قوله يحكي تلك لحالة الماضية ﴿وَنُرِيدُ﴾، أو هي حالية، أي: يستضعفهم، والحال أنا نريد في المستقبل أن نقويهم، أي: يريد دوام استضعافهم حال إرادتنا ضده من أنا نقطع ذلك بإرادة ﴿أَنْ نَمُنَّ﴾، فكانت إرادة الله فوق إرادة فرعون وملأه وتبقى إرادة الله فوق إرادة الظلمة والمتجبرين
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ «١» " «٢» .
تحليل الألفاظ
﴿نَمُنَّ﴾:
من المِنَّةُ " النعمة الثقيلة، ويقال ذلك على وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك بالفعل، فيقال: مَنَّ فلان على فلان، إذا أثقله بالنعمة، وعلى ذلك قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ «٣»، وذلك على الحقيقة لا يكون إلا لله تعالى.
_________________
(١) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية ٥٤.
(٢) نظم الدرر: ٥/ ٤٦٤.
(٣) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية ١٦٤.
[ ٢٢١ ]
ثانيهما: أن يكون ذلك بالقول، وذلك مستقبح فيما بين الناس إلا عند كفران النعمة، ولقبح ذلك قيل: المِنّةُ تَهدِمُ الضَّيِعةَ، ولحُسنِ ذكرها عند الكفران قيل: إذا كُفِرتِ النّعمَةُ حَسُنَتِ المِنَّةُ. قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ اسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ «١»، فالمنة منهم بالقول، ومِنَّةُ الله عليهم بالفعل وهو هدايتهُ إياهم " «٢» .
﴿نُمَكِّنَ﴾:
المَكنُ والمَكِنُ: بيض الضَّبَّةِ والجرادة، والمُكنةُ: التمكن، تقول العرب: إن بني فلان لذوو مَكِنةٍ من السلطان، أي: تمكُّنٍ. قال الجوهري: يقال: الناس على مكانتِهم، أي: على استقامتهم. وقال: لا يصح أن يقال في المكنة: إنه المكان الأعلى التَّوسُّعِ، لأن المُكْنة إنما هي بمعنى التَمكُّنِ مثل الطَّلِبَة بمعنى التَّطَلُّب، يقال: إن فلانا لذو مكنِةٍ من السلطان فسمي موضع الطير مَكنِةً لتمكُّنه فيه " «٣» .
وقال الآلوسي: " أصل التمكن أن يجعل للشيء مكانًا يتمكن فيه، ثم استعير للتسليط وإطلاق الأمر وشاع في ذلك " «٤» .
﴿يَحْذَرُونَ﴾
" الحِذرُ والحَذَرُ: الخيفة، حَذرَهُ يَحْذَرُهُ حَذَرًا " «٥» .
القراءات القرآنية
١. ﴿أَئِمَّةً﴾:
قرأت بعدة أوجه:
بتسهيل الهمزة مع القصر، قرأ به (ابن كثير، وأبو عمر، ونافع، والأزرق، ورويس، والأصفهاني، وقالون) .
_________________
(١) سُوْرَة الْحِجْرِ: الآية ١٧.
(٢) معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٤٩٤.
(٣) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية. إسماعيل بن حماد الجوهري. ت ٣٩٣ هـ. تحقيق: أحمد عَبْد الغفور عطا. دار العلم للملايين. بيروت. لبنان. ط٢. ١٤٠٤ هـ – ١٩٨٤ م.: مادة (مكن) . لِسَان العَرَب: مَادة (مكن) ١٣ /٤١٢.
(٤) روح المعاني: ٢/ ٤٤.
(٥) لِسَان العَرَب: مَادة (حذر) ٤ /١٧٤.
[ ٢٢٢ ]
بالتسهيل مع المد (الأصفهاني، وأبو جعفر) .
بالتحقيق والفصل بألف (هشام) «١» .
٢. ﴿وُنَمِكّنَ﴾:
وقرأ الأعمش (ولِنُمكِّنَ) بزيادة لام كي، أي: وأردنا «٢» .
٣. ﴿وَنُرىَ فرِعَونَ﴾:
اختلفوا في النون والياء ورفع الأسماء ونصبها.
فقرأ حمزة، والكسائي، وخلف بالياء وفتحها وإمالة الراء بعدها ورفع الأسماء الثلاثة.
_________________
(١) معجم القراءات القرآنية: ٥/ ٦.
(٢) البَحْر المُحِيْط: ٧/١٠٥.
[ ٢٢٣ ]
وقرأ بالنون عامة قراء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيون: (وَنرُيَ فرعونَ وهامان) ونصب الأسماء بعده، وحجة من قرأ (نرُي) أن ما قبله للمتكلم فينفي أن يكون ما بعده أيضًا كذلك ليكون الكلام على وجه واحد، لأن فرعون يُرى ذلك «١» . وحجة من قرأ: (يَرَى) أن فرعون وحزبه يرون ذلك ويُعلُم أنهم يرونه إذا رأوه «٢»، وذكر الطبري أن معنى من قرأ على هذه القراءة أن الفعل لفرعون بمعنى ويعاين فرعون بالياء من يرى، ورُفع فرعون وهامان والجنود «٣» .
ونحن لا يمكن أن نوازن بين القراءات، لأن القراءة سنة متبعة تعرض كما هي، وإنما عرضنا لاختلاف القراء ﵏ برحمته - في ذلك على ما أوردته كتب القراءات والتفاسير.
القضايا البلاغية
١. قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْض﴾ .
_________________
(١) ينظر النشر في القراءات العشر. أبو الخير مُحَمَّد بن مُحَمَّد الدمشقي. الشهير ابن الجزري. ت ٣٣٣ هـ. ط٢. صححه وراجعه عَلِيّ مُحَمَّد الضباع. دار الكتب العلمية. بيروت. لبنان. ١٩٧٨ م.:٢/ ٣٤١. المحرر الوجيز: ١٢/ ١٤٣. الإقناع في القراءات السبع. أبو جعفر أحمد بن عَلِيّ بن خلف الأنصاري المعروف بابن الباذش. ت ٥٤٠هـ. ط١. تحقيق: أحمد فريد المربدي. قَدَّمَ لَهُ وقَرَّظَهُ: فتحي عَبْد الرَّحْمَن حجازي. دار الكتب العلمية. بيروت. لبنان. ١٤١٩ هـ – ١٩٩٩ م.: ٢ /٧٢٣.
(٢) الحجة في علل القراءات السبع. أبو عَلِيّ الحَسَن بن أحمد الغفاري الفارسي. ت ٣٧٧ هـ. تحقيق: د. عَلِيّ النجدي ناصف. د. عَبْد الحليم النجار. د. عَبْد الفتاح شلبي. مراجعة: مُحَمَّد عَلِيّ النجار. ط١. دار المأمون. دمشق. ١٩٩٢ م.: ٥/ ٤١٢.
(٣) جامع البيان: ١٠ /٢٩.
[ ٢٢٤ ]
قال الرازي: " فإن قيل: كيف يجتمع استضعافهم وإرادة الله تعالى المنّ عليهم، وإذا أراد الله شيئا لم يتوقف إلى وقت آخر؟
قلنا: لما كان مِنّة الله عليهم بتخليصهم من فرعون قريبة الوقوع جعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنه لاستضعافهم " «١» .
وهذه من القضايا البلاغية المهمة في هذا النص القرآني لكونها تدلّ على أن المنة فضل بعد الاستضعاف.
وذكر البقاعي أيضًا: " والآية من الاحتباك «٢»، ذكر الاستضعاف أولًا دليلًا على القوة ثانيًا، وإرادة الحذر ثانيًا دليلًا على إرادة المحبوب أولًا، وسر ذلك أنه ذكر المُسلي والمرجي ترغيبًا في الصبر وانتظام الفرج " «٣» .
٢. ﴿وَنُمَكِّنَ﴾:
" أصل التمكين أن تجعل للشيء مكانًا يتمكن فيه، ثم استعير للتسليط وإطلاق الأمر " «٤» .
المعنى العام
١. ﴿وَنُرِيدُ انْ نَمُنّ َ﴾:
قال البيضاوي: " إن يتفضل عليهم بإنقاذهم من بأسه (ونريد) حكاية حال معطوفة على أن فرعون علا من حيث أنهما واقعان تفسيرًا للنبأ، أو حال من يستضعف " «٥» .
٢. ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾:
في معناها قولان ذكرهما الماوردي أحدهما:
" بنو إسرائيل قاله يحيى بن سلام.
_________________
(١) مفاتيح الغيب: ٢٢/ ٢٢٦.
(٢) الاحتباك: هو أن يجتمع في الكلام متقابلان، ويحذف من كل واحد منهما مقابله لدلالة الآخر ينظر التعريفات (الجرجاني): ص٢٥.
(٣) نظم الدرر: ٥ /٤٦٥.
(٤) أَنْوَارُ التَّنْزِيْل: ٢ /٢٠٩.
(٥) أَنْوَارُ التَّنْزِيْل: ٢ /٢٠٩.
[ ٢٢٥ ]
والثاني يوسف وولده قاله علي (- ﵁ -) " «١» .
والذي أرجحه أن المراد بالذي استضعفوا هم بنو إسرائيل، وذلك لأن السورة سبقت في ذكر قصة سيدنا موسى مع فرعون، وفرعون إنما يستضعف بني إسرائيل.
٣. ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾:
قال الطبري: " ولاة الأمر " «٢» . وقال الرازي: " أي متقدمين في الدنيا والدين. وعن مجاهد دعاة إلى الخير " «٣» .
٤. ﴿وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾:
أي: " لملك فرعون يرثون ملكه ويسكنون مساكن القبط، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي اسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ «٤» " «٥» .
٥. ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾:
أي: " نوطد لهم أرض مصر والشام ونجعلها لهم سكنًا " «٦»، وهو الوعد القديم لهم قبل تبديلهم دينهم الذي أنزله الله تعالى.
٦. ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾:
_________________
(١) النُكَت والعُيُوْن (المُسَمَّى: تَفْسِير المَاوَرْدِي) . أبو الحَسَن عَلِيّ بن حَبِيْب البصري، ت ٤٥٠ هـ. ط٢. علق عليه: السيد بن عَبْد المقصود بن عَبْد الرحيم. مؤسسة الكتب الثقافية. بيروت. دار الكتب العلمية. بيروت. ١٩٩٢ م.: ٣ /٢١٦.وينظر تفسير القُرْآن العَظِيْم مُسْنَدا عَنْ رَسُوْل الله – ﷺ – والصَّحَابَة والتَّابِعِيْن. الإِمَام الحَافِظ عَبْد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن إِدْرِيْس الرَّازِي ابن أَبِي حَاتِم ت (٣٢٧) هـ. تحقيق أسعد مُحَمَّد الطيب. مَكْتَبَة نزار مصطفى الباز. مكة المكرمة. الطبعة الأول. عام ١٩٩٧ م.: ٩/ ٢٩٤١.
(٢) جامع البيان: ١٠/٢٨.
(٣) مفاتيح الغيب: ٢٤ /٢٢٦.
(٤) سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية ١٣٧.
(٥) مفاتيح الغيب: ٢٤ /٢٢٦.
(٦) لُبَاب التَأَوْيِل: ٣ /٤٢٣.
[ ٢٢٦ ]
قال البيضاوي: " من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم " «١» .
وقال الشهاب في حاشيته: " لما يحذرون ولا شبهة في أنه المحذور عندهم، وهو الذي خافوا منه بعد إخبار الكهان حتى حملهم على القتل، وأما كون ذلك مرئيًا، فإن كانت الرؤية بمعنى المعرفة، وهم قد عرفوا ذلك لما شاهدوه من ظهورهم عليهم وطلوع طلائعه من طرق خذلانهم فظاهر. وإن كانت بصرية، وهو المناسب للبلاغة، فالرؤية لمقدماته جعلت رؤية له مبالغة، وهذا مستفسر منهم حتى يقال: رأى موته بعينه، وشاهد هلاكه، أو المراد رؤيته وقت الهلاك فلا يرد أنهم لم يروا ما ذكر وإنما الرائي له بنو إسرائيل " «٢» .
وقال المراغي: " أي ونري أولئك الأقوياء والأعداء والأدلاء على أيدي بني إسرائيل من المذلة والهون، وما كانوا يتوقعونه من زوال الملك والسلطان على يد مولود منهم، ولكن لا ينجي حذر من قدر، فنفذ حكم الله الذي جرى به العلم عن القدم على يد هذا الغلام " «٣» .
٧. ﴿وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾:
_________________
(١) أَنْوَارُ التَّنْزِيْل: ٢ /٢٠٩.
(٢) حَاشِيَة الشِّهَاب الخفاجي على تَفْسِير البيضاوي المسماة عناية القاضي وكفاية الراضي. شهاب الدِّيْن أحمد بن مُحَمَّد بن عمر الخفاجي. ت ١٠٦٩ هـ. تحقيق: عبد الرزاق المهدي. دار الكتب العلمية. بيروت. الطبعة الأولى. دار إحياء التراث العربي. بيروت. ١٩٩٧ م: ٧ /٦٤.
(٣) تفسير المراغي: ٢٠ /٣٤.
[ ٢٢٧ ]
في الحقيقة لم اعثر على الاسم الكامل لهامان، فقد اكتفى المؤرخون كالطبري، وابن الأثير، وابن قتيبة، وكذلك المفسرون بالقول إنه وزير فرعون فقط. وقد رجح ابن عاشور: " أن هامان ليس باسم علم ولكنه لقب مثل فرعون وكسرى وقيصر ونجاشي، فالظاهر أن هامان لقب وزير الملك في مصر في ذلك العصر، وقد جاء في كتاب استير من كتب اليهود الملحقة بالتوراة المحرفة تسمية وزير احشويردش ملك الفرس (هامان)، فظنوه علمًا، فزعموا أنه لم يكن لفرعون وزير اسمه هامان، واتخذوا هذا الظن مطعنًا في هذه الآيات. والرد على ذلك أن الأعلام لا تنحصر، وكذلك ألقاب الولايات قد تشترك بالاسم وخاصة المتجاورة، فيجوز أن يكون هامان علمًا من الأمان، فإن الأعلام تتكرر في الأمم والعصور، ويجوز أن يكون لقب خطه في مصر، فنقل اليهود هذا اللقب إلى بلاد فارس في مدة أسرهم " «١» .
أما أنا فاذهب إلى أنه اسم للرجل لأن النص القرآني إذا أخبر باسم رجل فهو على حقيقته.
ما يستفاد من النصّ
عبرت الآيات بكلمات معدودة عن الحالة المأساوية التي عاشتها مصر في ظل حكم الفراعنة مما تعجز أن تصفها مجلدات، فيمكن أن نستنبط منها المعاني الآتية:
أولًا: حاجة البشرية إلى هدي النبوة.
_________________
(١) ينظر التحرير والتنوير: ٢٠ /٧٢. وينظر الحياة ترجمة تفسيرية. جمع ج. س. سنتر. الطبعة الأولى. مصر الجديدة. القاهرة. (د. ت) .: ص ٦٤٧.
[ ٢٢٨ ]
فقد خلق الله تعالى هذا الكون وفق نظام دقيق متوازن، وجعل الحاجة الفطرية من مخلوقات الله تعالى، ومن ذلك فطرة الله تعالى للإنسان، فإن الله خلق البشر وخلق فيهم حاجتهم إلى الدين، فالإنسان بفطرته بحاجة إلى الدين. قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أكثر النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ «١»، والإنسان مفتقر إلى منهج ينظم حياته إذ إنه قاصر عن بلوغ هذه الغاية لتسلط الأهواء عليه، فإن النفس الإنسانية مائلة إلى الكسب وأخذ ما ليس لها، فلا بد للبشر في كل العصور إلى رسل الله لربط تصرفات الإنسان بخالقه وبأخيه الإنسان، ولمعرفة ثواب المطيع وعقاب العاصي، وأهداف أخرى كثيرة سنذكر منها فقط ما يخص حاجة أهل مصر إلى هدي النبوة في ضوء هذه الآيات من سورة القصص.
١-الدعوة إلى عبادة الله وحده:
لو عدنا إلى الآيات السابقة من سورة القصص: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أهْلَهَا شِيَعا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ ابْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ انَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ «٢» .
فبعد هذا العرض القرآني الذي يبين فيه حاجة أهل مصر إلى هدي النبوة لإنقاذ المستضعفين وإحقاق الحق وإرجاع الناس من عبادة فرعون إلى عبادة الله تعالى الواحد الأحد. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأَنْسَ الاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ «٣»، ويتحقق معنى العبودية لله بتحقيق معنى التوحيد، أي: إخلاص العبودية لله وحده لا شريك له، والخضوع له خضوعًا تامًا، والاستسلام له في جميع شؤون الحياة.
_________________
(١) سُوْرَة الرُّوْمِ: الآية ٣٠.
(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.
(٣) سُوْرَة الذَّارِيَاتِ: الآية ٥٦.
[ ٢٢٩ ]
ومن معاني التوحيد هو الاستقامة في الأرض ضمن المنهج الذي يريده الله جل وعلا، وكل هذه المعاني لا يستطيع الإنسان أن يصل إليها بدون بعثة الرسل، فقد امتحنت البشرية مرات عديدة حينما بعد بها العهد من الله تعالى ورسالاته فعبدت غير الله.
٢. الدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر:
إن الإيمان باليوم الآخر من أساسيات كل الأديان السماوية، وجاءت جميعًا لتقيم الأدلة على إثبات اليوم الآخر، وأن هناك ثواب للطائعين وعقاب للعاصين، فجاءت رسالة موسى (- ﵇ -) لتدعو إلى الإيمان باليوم الآخر، فقد كان فرعون وقومه لا يؤمنون باليوم الآخر ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا انَّهُمْ الَيْنَا لا يُرْجَعُونَ﴾ «١»، فجاء أمر الله إلى سيدنا موسى وهارون لتحذير فرعون وملئه من اليوم الآخر.
﴿إنَّا قَدْ أوحِيَ إلَيْنَا أنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأَولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ «٢» .
٣. إصلاح النظام الأخلاقي والاجتماعي:
_________________
(١) سُوْرَة العَنْكَبُوتِ: الآية ٣٩.
(٢) سُوْرَة (طَه): الآيات ٤٨ –٥٣.
[ ٢٣٠ ]
إن إصلاح النظام الأخلاقي والاجتماعي هو قاسم مشترك بين كل الديانات، ورسالة الله للبشر في كل العصور، ولأن الإنسان مخلوق كرّمه الله وسخّر له كل ما في الكون من أرض وسماء لخدمته، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ «١»، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعا مِنْهُ﴾ «٢» .
فلذلك أنكر الله جل وعلا على قوم فرعون، لأنهم فقدوا شخصيتهم وأصبحوا أذنابا لفرعون، قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطَاعُوهُ﴾ «٣» .
_________________
(١) سُوْرَة الإِسْرَاءِ: الآية ٧٠.
(٢) سُوْرَة الجَاثِيَةِ: الآية ١٣.
(٣) سُوْرَة الزُّخْرُفِ: الآية ٥١.
[ ٢٣١ ]
فالناس سواسية عند الله تعالى، لا فرق بين ملك ومملوك إلا بالتقوى ﴿إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أتْقَاكُم﴾ «١»، هذه سنة الله في خلقه، ولكن فرعون أراد أن يغير هذه السنة، فجعل أهل مصر شيعًا وطبقات متفاوتة، فمن أطاعه بما يريد حظي بالعيش الرغيد، والمكانة المرموقة، ومن يخالفه - كما حصل لبني إسرائيل ممن بقي على التوحيد - جعلهم خدمًا للأقباط يذيقونهم ألوان العذاب، وحفظ الله للإنسان في هذه الدنيا حق الحياة للذكور والإناث، ومن سنة الله في الأرض إنّه حرّم الظلم بكلّ أنواعه، فالإنسان بطبيعة خلقه فيه غرائز وشهوات وميول ونزوات تدفعه إلى تحصيل ما يريد بأي السبل، وهنا تتجلى حاجة البشر إلى هدي النبوة فالشرع هو الذي يضبط هذه الشهوات والغرائز من أن تتعدى حدودها بالعقوبات الدنيوية والأخروية، وقد جاءت آيات كثيرة تتحدث عن الظلم في عهد فرعون، فقد وصف بالطاغية ﴿اذْهَبْ إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى﴾ «٢»
وحيثما قلبت صفحات التاريخ في تلك الفترة، فلن تعثر إلا على الفساد والضياع وفي كل مجالات الحياة، فإن المجتمع الذي بعث فيه سيدنا موسى (- ﵇ -) عالم بأمس الحاجة إلى منقذ، فأرسله الله بحكمته ورحمته وعدالته لينقذ الناس من ظلام الكفر إلى نور الإيمان الساطع الوضاء، ومن قسوة الظلم إلى حلاوة العدالة.
ثانيًا. دلت الآيات كذلك على أسباب هلاك دولة فرعون وسقوط حضارته فبعد أن ذكر الله جل وعلا أسبابًا خمسة للهلاك:
إنه علا في الأرض.
جعل أهلها شيعًا.
يذّبح أبناءهم.
ويستحي نساءهم.
إنه كان من المفسدين.
قابلها بخمسة:
وَنُرِيدُ انْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾ .
وَنَجْعَلهُمْ أئِمَّةً﴾ .
وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ .
وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ .
_________________
(١) سُوْرَة الْحُجُرَات: الآية ١٣.
(٢) سُوْرَة (طَه): الآية ٢٤.
[ ٢٣٢ ]
وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ .
فهذه الخمسة مقابل تلك الخمسة يثبت صدق الوعد الإلهي ويثبت عاقبة الطغاة.
ثالثا: دلت الآيات كذلك على إحدى المبشرات بانتصار الإسلام والمسلمين على أعدائهم بعد الأخذ بأسباب النصر، فكل أسباب الهلاك متوفرة في أعدائهم، وكل أسباب النصر متوافرة في المؤمنين بدلالات النصّ.