تعد الشخصية اليهودية الإسرائيلية نسبًا، من الشخصيات المحورية المعقدة كل التعقيد في القرآن الكريم، ذلك أن السمات العامة لهذه الشخصية في مجمل آيات القرآن الكريم على ما لاحظناه تتجسد في انهماكها في:
الكفر والشرك والإلحاد والاستهزاء الديني.
المال والبيع والشراء والاقتصاد والتجارة.
الانغماس في اللذات والأخذ بالدنيا.
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٧.
(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٣.
[ ١٦٢ ]
الغرور بالنسب والدين والقوية والجنس وما في الوعود السابقة.
الجرأة على انتهاك حدود الله ﷿.
والإجرام هو محور هذه الشخصية، والصفة التي اتصفت بها طوال عصورها، ومع هذا الإجرام هناك لعنة الجبن المحيطة بهذه الشخصية في كل أطوارها، وفي كل نزالاتها الداخلية والخارجية «١» .
ومن الملاحظ أن سورة القصص قد حفلت بجانب كبير، ضمنيًا، أو مضمونيًا، أو تصريحًا، أو تلميحًا من هذه الجوانب في إطارها الذي حللناه ودرسناه في كافة فصول هذه الرسالة.
فموسى (- ﵇ -) وهو الشخصية المحورية في سورة القصص، وقصته هي الأساس الذي بينت عليه السورة كما يتضح من استقرائنا لها بصورة عمومية يتمحور من حوله اليهود وبنو إسرائيل، بمؤمنيهم وكافريهم، وطغاتهم وطواغيتهم.
ونحن نحسب أن من المفيد جدًا أن نفهم من خلال كل سورة على حدة كيفية تطور الشخصية اليهودية دينيًا، ووظيفة بعض آيات القرآن الكريم في التحذير منهم، وفي التنبيه إلى الحكمة الإلهية التي أوجبت أن يتحولوا إلى قردة وخنازير، على ما ورد في النص القرآني على الحقيقة لا على المجاز على ما أخبر الله ﷾ «٢» .
لذلك يمكن أن نجد في هذا المطلب السمات الشخصية العامة للشخصية اليهودية في سورة القصص باستقراء كلي شمولي للآيات القرآنية الخاصة بهذا الموضوع.
وفائدة هذا الموضوع تتجلى في كونه معينًا على التصور العام لكل يهودي من بني إسرائيل في مضمون النص المحلل، وفق آليات الفهم الداخلي والخارجي للمعنى، ومعنى المعنى في آيات سورة القصص.
إن سورة القصص تجعل الشخصية اليهودية لبني إسرائيل متجسدة كل التجسد في:
_________________
(١) ينظر بنو إسرائيل في الكتاب والسنة. مُحَمَّد السيد طنطاوي. الطبعة الرابعة. القاهرة. ١٩٨٨ م: ١ /١٩٧ –١٩٨.
(٢) ينظر بنو إسرائيل في الكتاب والسنة: ٢/ ٢٨٤ –٢٨٧.
[ ١٦٣ ]
الاستضعاف وموافقة الظالم في طغيانه. ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ علاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ «١» .
الجبن والعام والسقوط تحت سيف القتل. ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ «٢» .
الاستهانة بالعرض وعدم الالتفات لما يقع عليه. ﴿وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ﴾ «٣» .
نبذ الإمامة والوراثة من قبل موسى ﵊ بدليل الوعود الإلهية في قوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ «٤» .
حاجتهم إلى قوة إلهية للنصر على أعدائهم. ﴿وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ «٥» .
الإيغال في الشر والقتال بسب أو بدون سبب. ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ «٦» .
العودة لصنع الفتن والمشاكل وافتعال الشر والتكرار البالغ فيه. ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ «٧» .
الغدر ونكران المعروف. ﴿قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ﴾ «٨» .
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.
(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.
(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.
(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآيتان ٥- ٦.
(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٦.
(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٥.
(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٨.
(٨) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٩.
[ ١٦٤ ]
الكذب على الإنسان في وجهه وصنع البهتان. ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلاَ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ﴾ «١» وهذا باب من أبواب نكر الجميل، فالشخصية هاهنا كما صورت في سورة القصص لا ينفع معها معروف أبدًا.
طول العمر قد ينسيهم ذكر الله ﷿. ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ﴾ «٢» .
البغي. ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ «٣» .
الفرح بالنعمة الدنيوية. ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ «٤» .
نسيان الآخرة. ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ «٥» .
عدم الموازنة بين الدنيا والآخرة. ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا﴾ «٦»، فإن الشخصية اليهودية تميل إلى عدم التوازن بين الدنيا والآخرة، وجعل جل الاهتمام بالدنيا وعبادتهم للمال والمظاهر الدنيوية.
عدم الإحسان. ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ «٧» .
الإفساد. ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ «٨» .
الظن الكاذب بأن المال يؤتى عن طريق العلم الشخصي. ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ «٩» .
محبة الزينة. ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ «١٠» .
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٩.
(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤٥.
(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٦.
(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٦.
(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٧.
(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٧.
(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٧.
(٨) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٧.
(٩) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٨.
(١٠) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٩.
[ ١٦٥ ]
محبة الحياة الدنيا. ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا﴾ «١» .
الطع والشراهة وحسد الآخرين. ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ «٢» .
الجهل العميق. ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ «٣» .
عدم نصرة بعضهم لبعض إذا وقع في أمر معضل. ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ «٤» .
حلول اللعنة الأبدية عليهم. ﴿وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ﴾ «٥» .
الانهزامية وعدم الثبات على رأي. ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ «٦» .
تقريرهم للحقائق بعد وقوعها رغم علمهم السابق بها. ﴿وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ «٧» .
ونحن إذا حللنا ما تقدم من مقومات الشخصية اليهودية في سورة القصص والتي وضعنا لكل منها دليلًا في آيات السورة، نجد مثلًا أن صفة الاستضعاف وما تلاها من صفات هي صفات دائمة مما يوصلنا إلى نتيجة مهمة وهي: إن الشخصية اليهودية في سورة القصص، مصورة في أحوال وأشكال تجمع كل ما وصفهم به القرآن الكريم في كل آياته وسوره «٨»، وهو وجه آخر من وجوه الإعجاز القرآني في سورة القصص.