إذا كان التحليل قد كشف عن سياق بناء النص، وإذا كان فهم الدلالة الإعرابية قد أوضح مفهوم النص، فإن التوجيه البياني يفيد في إيضاح ما أسماه أسلافنا «٤» البيان التفسيري الذي يسمى أحيانًا (البيان المبين)، والمقصود به: " ما يستخرج من فهم بلاغة النص من المعاني الأخر " «٥»، لاجل ذلك أقتبسنا في هذا المبحث هذا المصطلح لفهم أدق لمجموعة الظواهر البلاغية الموجودة في سورة القصص، ولاستخراج ما فيها من كوامن المعاني.
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٠.
(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.
(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٠.
(٤) رسالة في البلاغة. ابن كمال باشا. تحقيق: نور الدين حسن. الطبعة الأولى. منشورات كلية الآداب. جامعة القاهرة. ١٩٩١ م: ص٤٧.
(٥) رسالة في البلاغة: ص ٤٨.
[ ١٠٠ ]
ولا ريب أن التوجيه البياني معين على فهم إعجاز القرآن الكريم وفي ذلك يقول بعض الباحثين:
" إن مباحث إعجاز القرآن قد اقترنت بمباحث البلاغة إقترانًا مشعرًا بالدور المهم المكمل من أحدهما للآخر، وهكذا نشعر أن الغاية من علم البلاغة فهم وإدراك إعجاز القرآن، وأن الغاية من تحديد إعجاز القرآن تسطير مباحث ومضامين علم البلاغة " «١» . وقد عبر عن مثل ذلك وزاده ايضاحًا باحث أخر فقال: " والمتتبع للظواهر البلاغية الثلاثة البيان – المعاني – البديع.
وما تتضمنه من تفرعات وتقسيمات يلاحظ لأول وهلة بادىء ذي بدء أن لكلها شواهد من القرآن الكريم تدل على ما يتعلق بها من آيات تضمنت معانيها تلك المحسنات اللفظية والمعنوية، وهو الأمر الذي تنبه له الزمخشري في (الكشاف)، والجرجاني في كتابيه (أسرار البلاغة) (ودلائل الإعجاز) " «٢» .
_________________
(١) مباحث في البلاغة والإعجاز. د. سعد خليفة أحمد. الطبعة الأولى. دار الأندلس. دمشق. ١٩٨٤ م: ص٨٨-٨٩.
(٢) الصلة بين إعجاز الَقُرْآن الكَرِيم وعلوم البلاغة. د. محمود مُحَمَّد محمود. الطبعة الأولى. مطبعة جامعة المعزى. (د. ت) .: ص ١٨٧.
[ ١٠١ ]
والباحث يرى أن القدماء اهتموا بإبراز العلاقة بين سورة القصص والتوجيه البلاغي لظواهرها اللغوية، ومن أقدم النصوص في ذلك ما أورده القاضي الباقلاني اذ قال ﵀ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ
الْمُفْسِدِينَ﴾ «١»، " هذه تشتمل على ست كلمات سناؤها وضياؤها على ما ترى، وسلاستها على ما تشاهد، ورونقها على ما تعاين، وفصاحتها على ما تعرف. وهي تشتمل على جملة وتفصيل وجامعة وتفسير، ذكر العلو في الارض باستضعاف الخلق بذبح الولدان وسبي النساء، وإذا تحكم في هذين الأمرين فما ظنك بما دونهما، لأن النفوس لا تطمئن على هذا الظلم، والقلوب لا تقر على هذا الجور، ثم ذكر الفاصلة التي أوغلت في التأكيد وكفت في التظليم، وردت آخر الكلام على أوله، وعطفت عجزه على صدره " «٢»، ثم قال ﵀ عن قوله تعالى:
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ «٣»، " وهي خمس كلمات متباعدة في المواقع نائية المطارح قد جعلها النظم البديع أشد تألفًا من الشيء المؤتلف في الأصل، وأحسن توافقًا من المتطابق في أول الوضع " «٤» .
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.
(٢) إعْجَاز القُرْآن: ص ١٩٣.
(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٧.
(٤) إعْجَاز القُرْآن: ص ١٩٤.
[ ١٠٢ ]
وهذا الكلام لرجل قد بحث الجوانب البلاغية لسورة القصص من كل نواحيها، ونحن نلاحظ في التحليل البلاغي لسورة القصص إِذَا ما أخذناها على حده أنها تكاد أن تكون جامعة لمعظم - إن لم يكن كلّ - الظواهر البلاغية، فالسياق البلاغي يجري فيها بأسلوب جزل فخم مثل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إلى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ «١» . فإن هذه الآية تبدأ بداية هادئة، ثم يتصاعد إيقاع جرسها البلاغي، ثم يهبط بالسكينة والطمأنينة على أم موسى (- ﵇ -)، ثم يأتي الوعد الالهي ولم يقل تعالى: (جاعلوه مرسلًا)، بل جعله في جملة المرسلين ﵈ ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ لأن (من) التبعيضية هنا تدخله في أوائلهم، وهو كذلك (- ﵇ -) من الرسل الخمسة أولي العزم.
وقد تنبه الزمخشري في الكشاف لهذه الطريقة البلاغية في سورة القصص لولا أنه خلط بعض مباحثه بنظريته الإعتزالية، فحاول إقحام الإعتزال في المعنى المستخرج من آيات سورة القصص ليعزز ما كان ﵀ يذهب إليه فيه (٢) .
وقد حاول بعض الباحثين إيضاح ذلك كله (أي توجيه المعنى بلاغيًا في سورة القصص)، فقال:
" وفي سورة القصص نجد صورًا بلاغية في آيات الصفات أخذت حيزًا كبيرًا جدًا في التفكير الاعتقادي، لأن القائلين بالحقيقة والمجاز في القرآن الكريم حاولوا أن يستدلوا بها (أي بصورة هذه الآيات) على ما كانوا يذهبون إليه من آراء ومذاهب، ولا ننسى هنا أن المعتزلة كانوا على رأس أولئك القوم.
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧.
(٢) الكَشَّاف: ٣ /٢٢٩.
[ ١٠٣ ]
فقوله عزّ من قائل: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ «١»، يحتوي على أمر، وخبر، وتقرير، ورد صدر على عجز، ومؤدى ذلك صورة بلاغية للإله الواحد الباقي. ولكن طوائف المعتزله القائلين بالمجاز أولوا الآية بلاغيًا لأجل نفي الوجه عن الله ﷿، فأخطاؤا الصواب " «٢» .
ونحن مع هذا الباحث فيما ذهب إليه، وسنحاول فيما يلي هذه الصفحة إعادة ترتيب الظواهر البلاغية في سورة القصص وفق التقسيم البلاغي «٣» .
والغرض من هذه العملية إبراز دور تلك الظواهر البلاغية في تحسين وتزيين وتجميل المبنى والمعنى في كلام الله وهو أصدق القائلين إستنادًا إلى ما ذكره بعض الدارسين، اذ قال: " إن وضع آيات كل سورة تحت التقسيم البلاغي التراثي يدلنا على مواطن الإعجاز في كل سورة من السور، مما يفتح الطريق أمام جمهرة الباحثين لإعادة صياغة إعجاز القرآن الكريم " «٤» .
وهو ما يراه القارىء في الصفحات الآتية:
ونحن سنختار بعض الأنواع البلاغية لا كلها من باب الإشارة إلى الشيء للدلالة على ما هو أعم.
١-التشبيه:
هو (ما حذفت فيه أداة التشبيه، ووجه الشبه) «٥»، مثل قوله تعالى فيها:
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.
(٢) الصورة البلاغية في آيات الصفات في الَقُرْآن الكَرِيم. الشافعي حسن. الطبعة الأولى. دار المعارف بمصر. ١٩٩٤: ص٣٩٧-٣٩٩
(٣) ينظر معجم المصطلحات البلاغية. د. أحمد مطلوب. الطبعة الأولى. منشورات المجمع العلمي العراقي. بغداد. ١٩٨٤ م.: ١/٣.
(٤) الظواهر البلاغية في سورة البقرة: ص ١٢٢.
(٥) ينظر أنوار الربيع: ٣ /٤٥.
[ ١٠٤ ]
﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ «١»، فإن الإحسان الإلهي هو المشبه به، والمشبه هو المأمور بالإحسان، ووجه الشبه الموازنة بين الأمر بالإحسان ليوافق إحسان الله ﷻ.
٢-الاستعارة:
هو (اللفظ المستعمل فيما يشبه معناه الأصلي لعلاقة المشابهة، أو هي استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة) «٢» . مثل قوله تعالى:
﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ «٣» . فإن قرة العين بردها واستقرارها، فجعل استعارة عن الولد.
٣-الكناية:
هو (أن تتكلم بشيء وتريد غيره، وهي مصدر من كنيت بكذا عن كذا إذا تركت التصريح به، واصطلاحا: لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة معناه معه أيضا) «٤»، مثل قوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ﴾ «٥»، فإن جملة ﴿وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ﴾ تشمل كناية عن سبيهن واغتصابهن.
٤- الإيغال:
هو (ختم الكلام نثرًا كان أو نظمًا بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها) «٦»، مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ «٧» .
٥- الإلتفات:
_________________
(١) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٧٧.
(٢) شرح التلخيص في عُلُوْم البلاغة. للإمام جلال الدِّيْن بن عَبْد الرَّحْمَن القزويني. ت ٧٣٩ هـ. دار الجيل. بيروت. لبنان. (د. ت): ص ٣٣٩.
(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٩.
(٤) ينظر شرح التلخيص: ١٥٥.
(٥) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٤.
(٦) أنوار الربيع: ٥ /٣٣٣.
(٧) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٠.
[ ١٠٥ ]
هو (إنصراف المتكلم عن المخاطبة الى الإخبار، وعن الإخبار إلى المخاطبة، أو الإنصراف من معنى يكون فيه إلى معنى آخر) «١»، مثل قوله تعالى فيها: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ «٢»، فإن قوله تعالى: ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ إلتفاف في الخطاب، وتغير في سياقه من الإسرائيلي والمصري لموسى (- ﵇ -) .
٦- المجاز:
هو (نقل الشيء عن حقيقته التي وضع لها إلى معنى آخر) «٣»، وذكروا أن من أمثلته في سورة القصص قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَه﴾ «٤»، والنص لا يستقيم بزعمهم إلا بنقله للمجاز والله أعلم بالصواب في ذلك.
٧- المقابلة:
هي (أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو اكثر، ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب) «٥»، مثل قوله تعالى فيها: ﴿وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَة﴾ «٦»، فإن الحسنة مقابلة للسيئة، وقد ازدات بها الجملة جمالًا.
٨- الإشارة:
_________________
(١) بديع الَقُرْآن. ابن أبي الإصبع المصري. (٥٨٥ - ٦٥٤ هـ) . تحقيق: حفني مُحَمَّد شرف. الطبعة الأولى. مكتبة نهضة مصر. الفجالة. ١٩٥٧ م: ص ٥٨. العمدة في مَحَاسِن الشعر وآدابه ونقده. أبو الحَسَن بن رشيق القيرواني الأزدي. ت ٤٥٦ هـ. تحقيق: مُحَمَّد محيي الدِّيْن عَبْد الحميد. دار الجيل. بيروت. لبنان. (د. ت.) .: ٢ /٤٦.
(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ١٨.
(٣) الإيضاح في علوم البلاغة، القزويني، أبو عبد الله جلال الدين بن سعد الدين أبي محمّد بن عبد الرحمن الخطيب، ت ٧٣٩ هـ، تحقيق مُحَمَّد عبد المنعم خفاجي، بيروت، ١٩٨٣ م: ص ١٥٥.
(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٨.
(٥) شرح التلخيص: ص ١٦٣.
(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٥٤.
[ ١٠٦ ]
هي (أن تطلق لفظًا جليًا تريد به معنى خفيًا) «١»، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إلى مَعَادٍ﴾ «٢»، فإن المعاد إشارة إلى مكة المكرمة أو يوم القيامة، فازداد النص بها حسنًا.
٩-الخبر الإنشائي:
هو (صيغة الكلام التامة الدالة على معنى جميل) «٣»، مثل قوله تعالى فيها: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ﴾ (٤) .
فمجمل الكلام الإلهي في هذه الاية هو خبر إنشائي حقيقي، الغرض منه الخروج بمفهوم نصي، وأما قوله تعالى في الآية: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾، فهو نص إعجازي لايتأتى نظمه أو نظم مثله للبشر.
١٠- المثل:
هو (كلام يتداوله الناس لجماله وقصره وحكمته، ومتى فشا استعماله سمي مثلًا، ولذلك لا تغيّر الأمثال) «٥»، مثل قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ «٦»، فهذه الجملة القرآنية قد غدت مثلًا إلهيًا ينطقه الناس، للدلالة على أخذ القوي الأمين في العمل المراد له، فصارت مثلًا بليغًا.
١١- الدعاء:
_________________
(١) الفوائد. أبو عَبْد الله بن أَبِي بكر ابن قيم الجوزية. . ت ٧٥١ هـ. دار الفكر ببيروت للطباعة والنشر والتوزيع. (د. ت): ص ١٢٥.
(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٨٥.
(٣) ينظر الإيضاح في علوم البلاغة: ص ١٥.
(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٥.
(٥) ينظر الإيضاح في علوم البلاغة: ص ٣٠٧. شرح التلخيص: ٤ /١٤٧.
(٦) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٦.
[ ١٠٧ ]
هو (طلب من هو أدنى ممن هو أعلى بألفاظ بليغة) «١»، مثل قوله تعالى فيها: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ «٢»، فهذا النص دعاء علمنا الله ﷿ أن ندعوه به على لسان موسى (- ﵇ -) .
١٢- الأمر:
هو (طلب من هو أعلى أمرًا ممن هو دونه، أو اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير لفظ كف، ولا يعبر به علو ولا استعلاء على الأصح) «٣»، مثل قوله تعالى فيها: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوء﴾ «٤»، فجملة ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾ أمر إلهي صيغ صياغة بلاغية إعجازية، فدلّ على جماليته في حد ذاته.
١٣- الإضراب:
هو (ذكر شيء قد يستقبح، إلا أن القرينة تدل على حسنه، أو الإعراض عن الشيء تركًا وإهمالًا بعد الإقبال عليه) «٥»، مثل قوله تعالى فيها: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوء﴾، فإن قوله تعالى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوء﴾ إضراب لئلا يظن البرص بيده (- ﵇ -) فكمل بها الكلام.؟
١٤- تجاهل العارف:
_________________
(١) ينظر التوقيف على مهمات التعاريف. مُحَمَّد عَبْد الرَّؤُوْف المناوي. (٩٥٢ - ١٠٣١) . تحقيق: د. مُحَمَّد رضوان الداية. دار الفكر المعاصر - دمشق، دار الفكر - بيروت. ط١ ١٤١٠ هـ: ص ٣٣٨.
(٢) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٤.
(٣) التوقيف على مهمات التعاريف: ص ٩٢.
(٤) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٣٢.
(٥) التوقيف على مهمات التعاريف: ص ٧١.
[ ١٠٨ ]
هو (استخدام العارف صيغة تشعر الجهل عند من لا يجهل، أو سوق المعلوم مساق غيره لنكتة) «١»، كقوله تعالى فيها: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إلى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ «٢»، فإن جملة ﴿لأَظُنُّهُ﴾ تأتي بمعنى (لأوقنه) .
وهو تجاهل العارف لأن فرعون كان يعلم أن موسى (- ﵇ -) من الصادقين، بدليل حكاية الله ﷿ عنه أنه قال في آخر عمره: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ «٣» .
١٥- الاستثناء البلاغي:
هو (ذكر أمر ثم تخصيصه بغير صيغ الاستثناء المعروفة) «٤»، مثل قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ «٥»، فجملة ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ هي استثناء بلاغي أخرج بها قارون من قوم موسى بغير أدوات الاستثناء المستخدمة في مثل هذه الحالات.
إن ما تقدم كان محاولة لإبراز بعض الظواهر البلاغية في سورة القصص، وتخريجها وتحليلها بإيجاز، ليتطابق ذلك مع منهجها في درس وتحليل سورة القصص من كل جوانبها، وهو الأمر الذي عبر عنه أحد الباحثين بقوله: " إن استخراج أي ظاهرة بلاغية في أي آية، ثم تحليلها يتيح لنا فهمًا كاملًا لإعجاز هذه الاية نفسها، لأن الظاهرة البلاغية كانت وما زالت مفتاح إدراك الإعجاز " «٦» .