_________________
(١) التَّحْرِيْر والتَّنْوِير. تَأَلِيْف مُحَمَّد الطاهر ابن عاشور. الدار التونسية للنشر. سنة ١٩٨٤ م: ١ /٦٨- ٦٩.
(٢) إعادة المعنى في النصّ الَقُرْآني. د. عَبْد الله سلوم. الطبعة الثانية. الدار الجامعية للنشر. بيروت، لبنان. ١٩٩٤ م: ص ٢٢٨-١٢٩.
[ ٤٨ ]
إن القرآن الكريم كتاب الله تعالى الذي يتضمن كلماته إلى خاتم رسله وأنبيائه محمد (- ﷺ -)، هو كتاب الدين كله، وهو عمدة الملة وروح الوجود الإسلامي منه تستمد العقيدة والشريعة والأخلاق، فهو كتاب لكل الأزمان جعله الله هدى للعالمين من الإنس والجان. كل شيء فيه لحكمة وقد قص الله علينا في كتابه أحسن القصص ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَص﴾ «١»، وهذا يتناول كل ما قصه الله علينا في كتابه العظيم، وكان لإيراد القصص القرآنية حكمًا ودروسًا لتربية الأفراد والمجتمعات للقادة والدعاة، ومن هذه الفوائد التي تلاحظ بمجملها في سورة القصص الشريفة وفي باقي سور القرآن الكريم:
أن نفقه ما جاء في هذه القصص من أخبار وحقائق ومعاني وأنماط من المدافعات بين أهل الحق والباطل وان نعتبر به. فمن ذلك ما حصل للأنبياء وما أصابهم من الأذى في سبيل الله، ثم إن الله نصرهم وجعل العاقبة الحسنى لهم، وفي ذلك عبرة للمؤمنين «٢»، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ «٣» .
التحدي العظيم لأهل الكتاب، لأن أهل الكتاب كانوا في ذلك العصر لهم معرفة بأخبار الأنبياء لاسيما أحبارهم ورهبانهم، فقطع القرآن حجتهم على المسلمين قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ «٤»، فكان حملة القرآن أحق بان يوصفوا بالعلم الذي وصفت به أحبار اليهود، فانقطعت صفة الأمية عن المسلمين في نظر اليهود «٥» .
_________________
(١) سُوْرَة يُوْسُف: الآية ٣.
(٢) المستفاد من قصص الَقُرْآن للدعوة والدعاة. د. عبد الكريم زيدان. الطبعة الأولى. مؤسسة الرسالة. بيروت. ١٩٩٧ م: ١/٧.
(٣) سُوْرَة يُوْسُف: الآية ١١١.
(٤) سُوْرَة هُوْد: الآية ٤٩.
(٥) التحرير والتنوير: ١ /٦٥.
[ ٤٩ ]
في القصص القرآنية فائدة عظيمة للكفار والمشركين والعصاة والظلمة والمتكبرين، لكي يروا ما حصل بأمثالهم من الأمم السابقة ليتعظوا قال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ «١» .
في قصص القرآن بيان لسنن الله في خلقه من الأمم والجماعات والأفراد، وهي سنن جرت على الماضين، وتجري على اللاحقين ليعتبر بها المؤمنون، فلهذا لا يراد بقصص القرآن الكريم السرد التاريخي للأمم والأشخاص والجماعات، وإنما يذكر منها مواضع العبرة والاتعاظ والتذكر، كما قال تعالى: ﴿وَكُلًا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ «٢»، لذلك لا تذكر الحوادث بالترتيب ولا تستقصى «٣» .
في القصص القرآني فائدة كبيرة لأهل الدعوة والدعاة لا غنى لهم عن معرفتها فهي تعرفهم:
مناهج الأنبياء ﵉ في دعوة أقوامهم إلى الله وبيان ما أصابهم من أذى في سبيل الله، وكان النصر في نهاية المطاف نصيبهم، وكيف أن الله أظهرهم على عدوهم رغم قلة عددهم. فعلى اللاحقين من المؤمنين عدم اليأس، وليعلموا أن ما أصابهم من أذى قد أصاب من قبلهم، ولكن العاقبة أبدًا للمتقين «٤» لما قال سبحانه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ «٥» .
وكذلك هناك فائدة أخرى للدعاة، وهي ما اشتملت عليه القصص القرآنية من بيان لما جبلت عليه النفس الإنسانية من غرائز وميول ورغبات وكيف عالج الأنبياء ﵉ أحوال الناس وفقًا لهذه الميول والرغبات.
_________________
(١) سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية ١٧٦.
(٢) سُوْرَة هُوْد: الآية ١٢٠.
(٣) ينظر محاسن التأويل: ١ /١٤٤. المستفاد من قصص القرآن: ١/ ٧.
(٤) المستفاد من قصص القرآن: ١/ ٧.
(٥) سُوْرَة الأَعْرَافِ: الآية ١٢٨.
[ ٥٠ ]
هناك فائدة أخرى يمكن أن يستفاد منها التربويون من خلال دراسة المنهج التربوي في القصص القرآني.
وكذلك يمكن الاستفادة من القصص القرآني لأهل الاقتصاد من خلال دراسة المعالجة الاقتصادية كما في قصة سيدنا يوسف (- ﵇ -) مثلًا، أو اقتصاد قارون الجامع بين العلم والكفر كاقتصاد العولمة الحديث مثلًا.
والقادة كذلك لا غنى لهم عن دراسة القصص القرآني من خلال إدارة بعض الأنبياء لشؤون الناس، إضافة إلى مهمة النبوة، ولهم في قصة سيدنا سليمان (- ﵇ -) المثل الأعلى، وكيف استطاع الرسول (- ﷺ -) في زمن بسيط من أن يجعل كل جزيرة العرب تحت لوائه قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ «١» «٢» .
ويتعلم الشباب من قصة سيدنا يوسف (- ﵇ -) العفاف وكيفية كبح الشهوات. وكذلك من حياء ابنة شعيب في سُوْرَة الْقَصَصِ في قوله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ «٣» .
وفي القصص تسلية للمبتلين فقد ابتلي سيدنا أيوب (- ﵇ -) بالمال والأولاد والنفس.
وأغرى إبليس قومه فطردوه وجعلوه بعيدًا عن الديار فلم يزده ذلك إلا شكرًا وصبرًا حتى عوفي «٤» .
ولا ريب أن كل ذلك مما يستقيم به بناء الشخصية الإسلامية قرآنيًا أو على قول بعض الباحثين:
_________________
(١) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ: الآية ١٥٩.
(٢) المستفاد من قصص القرآن: ٢ /٢١١.
(٣) سُوْرَة الْقَصَصِ: الآية ٢٥.
(٤) القصص الحق. وهبة رشدي. تقديم: مُحَمَّد عمارة. الطبعة الأولى. دار البيان العربي. القاهرة. ١٩٩٢ م: ١/٢١٤-٢١٥.
[ ٥١ ]
" يستفاد من قصص القرآن الكريم التأسي الحق بأنبياء الحق - عَلَيْهم الصَلاة والسَّلام - وفي ذلك فائدة وأي فائدة " «١»، وهو الذي نعده نحن أحد مقومات السلوك الإيماني للشخصية الإسلامية من خلال تكرار القصص القرآني المتلو يوميًا وإعادتها.
وفي سُوْرَة الْقَصَصِ استفدنا أيضًا أربعة فوائد:
إن الطاغية مهما بلغ جنده وتجبره مآله الهزيمة.
إن قوة الإيمان تغلب كلّ قوة كفرية.
إن المال الذي يؤدي بصاحبه إلى الهلاك، هو مال لا فائدة فيه في الحياة الدنيا.
إن مآل الإنسان المؤمن هو الرجوع إلى معاده الذي أحب في الدنيا أو في الآخرة.
_________________
(١) المصدر نفسه: ٢/ ٣٩٧.
[ ٥٢ ]