أجمع القدماء على أن هنالك خطان لا يقاس عليهما:
خط المصحف.
خط العروض «٢» .
ولكن قومًا ممن بلغوا في العربية والتفسير مبلغًا كبيرًا أجمعوا على أن رسم المصحف يمثل تطورًا كبيرًا في أداء المعنى «٣»، وأنه إنما كتب ورسم بلسان وأحرف قريش لغابات معنوية مهمة كلّ الأهمية، وتروي الرواية الشهيرة عن جمع القرآن:
«وقال عثمان (- ﵁ -) للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم انتم وزيد بن ثابت في شيء من الَقُرْآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم» «٤» .
_________________
(١) ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن: ص ٢٧٤.
(٢) ينظر في اللغة والنحو. د. طه إِبْرَاهِيمُ، الطبعة الأولى، مصر، ١٩٨٥ م: ٢١ -٢٢.
(٣) صَحِيْح البُخَارِي: ٦ /٢٢٤.
(٤) صَحِيْح البُخَارِي: ٦ /٢٢٤.
[ ١٣٣ ]
مما يَدُلُّ على أن فعل عثمان (- ﵁ -)، " وفعله حجة في بابه على ما هو مشهور من حجية قول الصحابي " «١»، إنما يبين كيف أن بعض صور الرسم للخط الَقُرْآني لا يمكن فهمها إلا بكتابتها ورسمها بلسان قريش.
ولا ريب أن مسألة الَقُرْآن بالأحرف السبعة امتزجت في بعض الحالات بظواهر الرسم الَقُرْآني على رأي طائفة من العلماء الذين ذهبوا إلى أنَّ الأحرف السبعة موجودة في اللفظ والصوت الَقُرْآني وهو رأي مشهور «٢» .
وقد ألف قوم كثيرون في رسم الخط المصحفي الَقُرْآني وما فيه من فوائد «٣»، وقد بين القدماء أن من الواجب التزام ظواهر الرسم المصحفي في كتابة المصاحف، وجعلوا خط المصاحف خاصًا بها «٤» .
وقد ذكر الزمخشري في الكشاف أن: " خط المصحف سنة لا يتغير " «٥» .
وقد علل كثير منهم ظواهر الرسم بعلل لغوية أو نحوية أو بيانية، وبينوا أوجه بعض أشكال الرسم بيانيًا «٦» . ويقول ابن قتيبة: " وليست تخلو هذه الحروف من أن تكون على مذهب من مذاهب أهل الإعراب فيها " «٧» .
_________________
(١) المُسْتَصْفَى من علم الأصول. مُحَمَّد بن مُحَمَّد الغَزَالي أبو حامد. (٤٥٠ - ٥٠٥) . تحقيق: مُحَمَّد عَبْد السلام عَبْد الشافي. دار الكتب العلمية. بيروت. ط١. ١٤١٣ هـ.: ٢ /١١٥.
(٢) تأويل مشكل الَقُرْآن: ص ٣٠. جامع البيان: ١/٤٧ –٤٨ و٥٧-٥٨.
(٣) ينظر رسم المصحف: ١٦٨.
(٤) همع الهوامع شرح جمع الجوامع. جلال الدِّيْن عَبْد الرَّحْمَن السيوطي الشافعي. ت ٩١١هـ. دار المعرفة. بيروت. لبنان. ١٣٢٧ هـ. مصورة عَنْ ط١. بولاق. مصر: ٢ / ٢٤٣.
(٥) الكَشَّاف: ٣ /٢٠٩.
(٦) المحكم في نقط المصاحف. عثمان بن سعيد الداني أبو عمرو. (٣٧١ - ٤٤٤) . تحقيق: د. عزة حسن. دار الفكر. دمشق. ط١. ١٤٠٧ هـ: ص ١٩٦.
(٧) تَأوِيل مُشْكِل القُرْآن: ص ٤٠ –٤١.
[ ١٣٤ ]
ويقول ابن خلدون: " ثُمَّ اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها (أي المصاحف) تبركًا بما رسمه أصحاب رَسُول الله (- ﷺ -) وخير الخلق من بعده، المتلقون لوحيه من كلام الله تعَاَلىَ وكلامه " «١» .
ثُمَّ يذكر بعض ما يتعلق بعلاقة الرسم الَقُرْآني بأداء المعنى استنادًا للخط فيقول ناقلًا: " ويقولون في مثل زيادة الألف في (لا أذبحنه) «٢» أنه نبع على أن الذبح لم يقع. وفي زيادة الياء في (بأييد) «٣» أنه تنبيه على كمال القدرة الربانية وأمثال ذلك " «٤» .
وقد ذكر القدماء أن من صور اختلاف الرسم ما يكون لاختلاف المعنى «٥»، وكان ممن أولع بذلك المراكشي - على ما نقله القسطلاني ﵀ «٦» . ونحن في هذا المطلب سنحاول أن نعلل تعليلًا معنويًا بعض صور الرسم في سُوْرَة الْقَصَصِ لأننا نعد ذلك ذا فائدة في إيضاح بعض معاني هذا السورة.
ونحن نجد من صور رسم المصحف في هذه السورة:
١. ءايت:
إذ رسمت الهمزة مستقلة وحذفت الألف بعد الياء. ولعل ذلك يَدُلُّ على كمال الجمع في كون تقديم الهمزة مشعر بذلك.
٢. يستحي:
إذ رسمت بياء واحدة، وكان حقها أن ترسم بيائين، ولعل ذلك يَدُلُّ على شدة المبالغة في الإبقاء على النساء دون الرجال.
٣. ءَاَلُ:
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون. عَبْد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن خلدون الحضرمي. ت ٨٠٨ هـ. دار القلم. بيروت. ط٥. ١٩٨٤ م: ص ٧٥٧ و٧٩١.
(٢) سُوْرَة النَّمْلِ: الآية ٢١.
(٣) سُوْرَة الذَّارِيَاتِ: الآية ٤٧.
(٤) المصدر نفسه: ص ٧٥٨.
(٥) ينظر رسم المصحف: ٢٢٣.
(٦) لطائف الإشارات لفنون القراءات. للإمام شهاب الدِّيْن أبو العباس أحمد بن مُحَمَّد القسطلاني. ٨٥١ هـ - ت ٩٢٣ هـ. تحقيق: عامر السيد عثمان. د. عَبْد الصبور شاهين. طبع المجلس العلمي للشؤون الإسلامية. القاهرة. ١٩٧٢ م: ٢٨٣ –٢٨٤.
[ ١٣٥ ]
إذ رسمت همزة بدل علامة المد على الألف. ولعل ذلك للدلالة على أن هؤلاء الآل غير الصالحين، لأن الهمزة حرف تقليل أحيانًا «١» .
٤. امرأتُ:
إذ رسمت بتاء طويلة بدل التاء المدورة، ولعل ذلك ليدل على كمالها ﵂ لأن التاء الطويلة تدلّ على الكمال والعظمة.
٥. يموسى:
إذ رسمت ياء النداء بغير ألف، ولعل ذلك للدلالة على سرعة النداء والخطاب في الحالتين «٢» .
٦. استئجره:
إذ رسمت الهمزة على كرسي، واستئجرت إذ رسمت الهمزة كذلك، ولعل ذلك للدلالة على مبالغتها وحرصها على طلب إجارة موسى (- ﵇ -) لحاجتها وأختها لحمايته، فجاء الرسم الَقُرْآني بهذه الصيغة مشعرًا بذلك.
٧. ءانس:
إذ رسمت الهمزة لوحدها، ولعل ذلك لبيان شدة أنسه بالنار التي رآها.
٨. فذنك:
إذ رسمت بغير ألف.
ولعل ذلك للدلالة على اسم الإشارة، وكونه موجهًا للبراهين الإلهية.
٩. يهمن:
إذ رسمت بكرسي ياء بدل الألف، ولعل ذلك للدلالة على استعجال فرعون في ندائه لهامان.
١٠. ما اتهم:
إذ رسمت بكرسي بدل الألف، ولعل ذلك يتوجه لعدم مجيء النذير لهم من قبل.
١١. سحران:
إذ رسمت بصيغة تقرأ بها بعدة قراءات، ولعل ذلك لكي يتوجه النصّ لعدة آفاق من القراءات، وبذلك إما للإشارة إلى موسى وهارون ﵉ (ساحران)، أو موسى ومحمد - عَلَيْهما الصَلاة والسَّلام ـ. وأما للإشارة إلى سحر معه سحر، أي سحر موسى وهارون ﵉، وكل ذلك مما يفتح آفاق متعددة للنص.
١٢. شركاءي:
_________________
(١) لقد رسمت في بعض المصاحف (سلام على آل ياسين) بألف ممدودة للتكريم، كما في الكَشَّاف: إذ قال: " وأما من قرأ آل ياسين اسم أبي إلياس أضيف إليه الآل ". الكَشَّاف: ٣/ ٣٥٣ –٣٥٣.
(٢) أي الآية ٢٩ و٣٠ من سُوْرَة الْقَصَصِ.
[ ١٣٦ ]
إذ لم ترسم الهمزة على كرسيها،، ولعل ذلك للإشارة إلى انتفاء الشركاء وكون الله ﷾ فردًا، لأن إفراد الهمزة مشعر بذلك كما لا يخفى.
١٣. ءامن:
إذ رسمت الهمزة منفردة دون رسم الألف وعليها علامة المد،، ولعل ذلك للإشارة إلى الثواب الموحد لمن آمن بجعل الهمزة مفردة، كما أن المؤمن مفرد في إيمانه.
إننا لا ندعي أن ما قدمناه من تأويلات للمعنى وفق ظواهر الرسم هو التأويل الوحيد، ولكن ما قدمناه هو تعليل استنتجناه من استقراء ظواهر الرسم المصحفي في سُوْرَة الْقَصَصِ، وهو في كلّ الأحوال اجتهاد مجتهد، ولسنا ممن يقول في الَقُرْآن الكَرِيم برأيه، فحاشى لله من ذلك، وإنما هو رأي أبديناه.