لا خلاف بين الفقهاء في أن الإيجاب والقبول في عقد النكاح يصحّ أن يكونا بلفظ التزويج، أو بلفظ الانكاح، وينعقد بهما لورود هذين اللفظيين في القران الكريم:
أولًا - بلفظ الزواج، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ «٣» .
ثانيًا - بلفظ النكاح، قال تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ «٤» .
_________________
(١) عقد الزواج وآثاره. مُحَمَّد أبو زهرة. مطبعة مخيمر بالقاهرة. ١٩٥٨ م.: ٣٧. المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم في الشريعة الإسلامية. د. عبد الكريم زيدان. الطبعة الأولى. مؤسسة الرسالة. بيروت. ١٩٩٣ م.: ٦/١٠.
(٢) مُغْني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج. شمس الدِّيْن مُحَمَّد بن أحمد الشَّرْبِيْني القاهري الشافعي الخَطِيب. ت ٩٧٧ هـ. دار الفكر للطباعة والنشر. بيروت. (د. ت) .: ٣/١٢٣.
(٣) سُوْرَة الأَحْزَابِ: الآية ٣٧.
(٤) سُوْرَة النِّسَاءِ: الآية ٢٢.
[ ٣٦١ ]
وسواء اتفق العاقدان في استعمال واحد من هذين اللفظين، أو اختلفا مثل أن يقول ولي الأمر للخاطب: زوجتك ابنتي هذه، فيقول الخاطب: قبلت النكاح، أو قبلت هذا التزويج «١» . وقد اختلف الفقهاء في ألفاظ عقد النكاح في غير لفظي التزويج والانكاح، وقد استدل من قال بأن النكاح موقوف على لفظ التزويج والانكاح بقوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ﴾، وسنعرض موجزًا لأقوال الفقهاء في ذلك مع أدلتهم:
القول الأول:
لا يصح الإيجاب والقبول بغير هذين اللفظين (التزويج والانكاح) وبهذا قال سعيد بن المسيب، وعطاء، والزهري، وربيعة، والشافعي وهو مذهب الحنابلة (٢» .
الدليل:
قوله (- ﷺ -): «اتقوا الله في النساء، فأنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله» «٣»، وكلمة الله هي التزويج، أو الانكاح فإنه لم يذكر في القرآن سواهما، فوجب الوقوف معهما تعبدًا واحتياطًا.
_________________
(١) المُغْني. مُوَفَّق الدِّيْن أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن أحمد بم مُحَمَّد بن قُدَامة المَقْدِسي. ت ٦٢٠ هـ. الناشر: دار الكِتَاب العربي ببيروت سنة ١٩٧٢.: ٧/٣. مغني المحتاج ٣/١٣٩.
(٢) المغني (ابن قدامة): ٧/٧٨. نهاية المحتاج: ٦/٢٠٧. مغني المحتاج: ٣/١٤٠.
(٣) صحيح مسلم: باب حجة النبي (- ﷺ -) ٢ /٨٨٩ رقم (١٢١٨) من حديث جابر (- ﵁ -) .
[ ٣٦٢ ]
أما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ «١»، فذكر الهبة في الزواج هو خاص بالرسول (- ﷺ -)، والهبة تجمع أن ينعقد له عليها عقد النكاح بأن تهب نفسها له بلا مهر وفي هذا دلالة على أن لا يجوز نكاح إلا باسم النكاح، أو التزويج ولا يقع بكلام غيرهما وإن كانت معه نية التزويج «٢» .
القول الثاني:
ذهبت الظاهرية إلى جواز الإيجاب والقبول في عقد النكاح بلفظ التمليك إضافة إلى لفظي التزويج والانكاح، لورود لفظ التمليك في قوله: (- ﷺ -) إنه زوج امرأة فقال: «ملكتكها بما معك من القرآن» «٣» .
القول الثالث:
_________________
(١) سُوْرَة الأَحْزَابِ: الآية ٥٠.
(٢) الأم. مُحَمَّد بن إِدْرِيْس الشافعي أبو عَبْد الله. (١٥٠ - ٢٠٤) . برواية الربيع بن سليمان المرادي. الطبعة الأولى. شركة الطباعة الفنية المتحدة. القاهرة. ١٣٨١ هـ.: ٥/٣٧.
(٣) المحلى. عَلِيّ بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري أبو مُحَمَّد. (٣٨٣ - ٤٥٦) . تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي. دار الآفاق الجديدة. بيروت. (د. ت) .: ٩/٤٦٤. وينظر المفصل في أحكام المرأة: ٦/٨٣.
[ ٣٦٣ ]
ينعقد عقد النكاح بلفظ النكاح والزواج وبكل ما يفيد التملك من الألفاظ مثل لفظة (البيع. الهبة. الصدقة. والتمليك) إذا شهد عليه، قال به أبو حنيفة، وأصحابه، والنوري، والحسن بن حىّ «١» . وقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ «٢»، فقد انعقد نكاح الرسول (- ﷺ -) بلفظ الهبة، فينعقد به نكاح أُمته. ولأن الطلاق يقع بالصريح والكناية قالوا، فكذلك النكاح.
القول الرابع:
عند المالكية الألفاظ من جهة انعقاد النكاح بها هي كالآتي:
الألفاظ تصلح للإيجاب والقبول وينعقد بها النكاح إن ذكر المهر، وهذه الألفاظ هي الانكاح والتزويج.
يصح بها الإيجاب والقبول، وينعقد بها النكاح إن ذكر المهر وهذه الألفاظ لفظ (وهبت) .
ما في صحة الإيجاب والقبول به خلاف، وهو كلفظ يقضي البقاء مدى الحياة كبعت، أو ملكت، فبعض المالكية جعلها مثل وهبت وبعضهم لم يجعلها بمنزلة وهبت، فلا ينعقد بها النكاح.
_________________
(١) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع. الكاساني. علاء الدِّيْن أبو بكر مسعود. ت ٥٨٧ هـ. تقديم أحمد مختار عثمان. الناشر: زكريا عَلِيّ يوسف. مطبعة العاصمة. القاهرة. ١٩٢٨ م.: ٢/٢٢٩. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن: ٦/٤٩٨٨.
(٢) سُوْرَة الأَحْزَابِ: الآية ٥٠.
[ ٣٦٤ ]
ما لا ينعقد بها النكاح مطلقًا ولا يصحّ أن يعبر به عن الإيجاب، أو القبول، وهو كلفظ لا يقضي البقاء مدى الحياة كلفظ الإجارة والعارية «١» .
القول الراجح لاشك إن الأولى الالتزام بألفاظ النكاح الصريحة كلفظ التزويج والانكاح وذلك لخطورة عقد الزواج ومنعًا للمتلاعبين. ولكن إذا كان العرف في مدينة من المدن يستعمل لفظة معينة لديهم، وتدل هذه على إنشاء عقد الزواج على التأييد ووجَود القرائن كالشهود والمهر فلا مانع من ذلك.