المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى جملة من الأحكام المتعلقة بالنكاح والطلاق والعدة والرجعة والعَضْل، ذكر في هذه الآية الكريمة حكم الرضاع لأنّ الطلاق يحصل به الفراق فقد يطلّق الرجل زوجته ويكون لها طفل ترضعه وربما أضاعت الطفل أو حرمته الرضاع من الزوج وإيذاءً له في ولده، لذلك وردت هذه الآية لندب الوالدات المطلقات إِلى رعاية الأطفال والاهتمام بشأنهم، ثم أعقب ذلك ببيان حكم الفراق بين الزوجين بالموت وما يجب على المرأة من العدَّة فيه رعايةً لحق الزوج، كما ذكر تعالى موضع خطبة المرأة في حالة العدّة، وموضوع استحقاق المرأة لنصف المهر أو كامل المهر بعد الفراق أو الطلاق.
اللغَة: ﴿فِصَالًا﴾ الفِصال والفَصْل: الفطام سمي به لأن الولد ينفصل عن لبن أمه إِلى غيره من الأقوات، قال المبرّد: الفِصال أحسن من الفصل لأنه إِذا انفصل عن أمه فقد انفصلت عنه فبينهما فِصال كالقِتال والضراب ﴿تَشَاوُرٍ﴾ التشاور: استخراج الرأي ومثله المشاورة والمشورة مأخوذ من الشَّوْر وهو استخراج العسل. ﴿يَذَرُونَ﴾ يتركون وهذا الفعل لا يستعمل منه الماضي ولا المصدر. ﴿عَرَّضْتُمْ﴾ التعريض: الإِيماء والتلويح من غير كشفٍ وإظهار، مأخوذ من عرض الشيء أي جانبه كقول الفقير للمحسن: جئت لأنظر إِلى وجهك الكريم ﴿خِطْبَةِ﴾ بكسر الخاء طلب النكاح وبالضم الموعظة كخُطبة الجمعة والعيدين. ﴿أَكْنَنتُمْ﴾ سترتم وأضمرتم والإِكنان: السرُّ والخفاء. ﴿عُقْدَةَ النكاح﴾ من العقد وهو الشدُّ وفي المثل «يا عاقد اذكر حلًا» قال الراغب: العُقدة اسم لما يعقد من نكاح أو يمين أو غيرهما. ﴿حَلِيمٌ﴾ يمهل العقوبة فلا يعجّل بها للعاصي. ﴿المقتر﴾ الفقير يقال: أقتر الرجل إذا افتقر.
سَبَبُ النّزول: روي «أن رجلًا من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسمّ لها مهرًا ثم طلّقها قبل أن يمسَّها فنزلت الآية ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ فقال له النبيّ ﷺ َ» متِّعْها وَلوْ بِقَلَنْسُوَتِكَ «.
التفسِير: ﴿والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ أي الواجب على الأمهات أن يرضعن أولادهن لمدة سنتين كاملتين ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة﴾ أي إِذا شاء الوالدان إتمام الرضاعة ولا زيادة عليه ﴿وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف﴾ أي وعلى الأب نفقة الوالدات المطلقات وكسوتهن بما هو متعارف بدون إِسراف ولا تقتير لتقوم بخدمته حق القيام ﴿لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ أي تكون النفقة بقدر الطاقة لأنه تعالى لا يكلّف نفسًا إِلا وسعها ﴿لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ أي لا يضرَّ الوالدان بالولد فيفرِّطا في تعهده ويقصّرا في ما ينبغي له، وأو يضارَّ أحدهما الآخر بسبب الولد فترفض الأم إرضاعه لتضرّ أباه بتربيته، وينتزع الأب الولد منها إِضرارًا بها
[ ١٣٥ ]
مع رغبتها في إِرضاعه ليغيط أحدهما صاحبه، قاله مجاهد ﴿وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك﴾ أي وعلى الوارث مثلُ ما على والد الطفل من الإِنفاق على الأم والقيام بحقوقها وعدم الإِضرار بها والمراد به وارثُ الأب وقيل: وارثُ الصبي، والأول اختيار الطبري ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي فإِذا اتفق الوالدان على فطامه قبل الحولين ورأيا في ذلك مصلحة له بعد التشاور فلا إِثم عليهما ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تسترضعوا أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بالمعروف﴾ أي وإِن أردتم أيها الآباء أن تطلبوا مرضعةً لولدكم غير الأم بسبب عجزها أو إِرادتها الزواج فلا إِثم عليكم شريطة أن تدفعوا لها ما اتفقتم عليه من الأجر، فإِن المرضع إِذا لم تكرم لا تهتم بالطفل ولا تُعنى بإِرضاعه ﴿واتقوا الله واعلموا أَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي راقبوا الله في جميع أفعالكم فإِنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأحوالكم ﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ أي على النساء اللواتي يموت أزواجهن أن يمكثن في العدّة أربعة أشهر وعشرة أيام حدادًا على أزواجهنَّ وهذا الحكم لغير الحامل أما الحامل فعدتها، وضع الحمل لقوله تعالى:
﴿وَأُوْلاَتُ الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ بالمعروف﴾ أي فإِذا انقضت عدتهن فلا إِثم عليكم أَيها الأولياء في الإذن لهنّ بالزواج وفعل ما أباحه لهنّ الشرع من الزينة والتعرض للخطّاب ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي عليم بجميع أعمالكم فيجازيكم عليها ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النسآء﴾ أي لا إِثم عليكم أيها الرجال في التعريض بخطبة النساء المتوفّى عنهن أزواجهن في العدّة، بطريق التلميح لا التصريح، قال ابن عباس: كقول الرجل: وددتُ أنّ الله يسَّر لي امرأةً صالحة، وإِن النساء لمن حاجتي ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ في أَنْفُسِكُمْ﴾ أي ولا إِثم عليكم أيضًا فيما أخفيتموه في أنفسكم من رغبة الزواج بهنّ ﴿عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ أي قد علم الله أنكم ستذكرونهن في أنفسكم ولا تصبرون عنهن فرفع عنكم الحرج، فاذكروهنَّ ولكنْ لا تواعدوهنَّ بالنكاح سرًّا إِلا بطريق التعريض والتلويح وبالمعروف الذي أقرّه لكم الشرع ﴿وَلاَ تعزموا عُقْدَةَ النكاح حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ﴾ أي ولا تعقدوا عقد النكاح حتى تنتهي العدّة ﴿واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا في أَنْفُسِكُمْ فاحذروه﴾ أي احذروا عقابه في مخالفتكم أمره ﴿واعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أي يمحو ذنب من أناب ولا يعاجل العقوبة لمن عصاه. ثم ذكر تعالى حكم المطلقة قبل المساس فقال: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي لا إِثم عليكم أيها الرجال إِن طلقتم النساء قبل المسيس «الجماع» وقبل أن تفرضوا لهنَّ مهرًا، فالطلاق في مثل هذه الحالة غير محظور إِذا كان لمصلحة أو ضرورة ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ مَتَاعًا بالمعروف حَقًّا عَلَى المحسنين﴾ أي فإِذا طلقتموهن فادفعوا لهنَّ المتعة تطييبًا لخاطرهن وجبرًا لوحشة الفراق، على قدر حال الرجل في الغنى والفقر، الموسر بقدر يساره، والمعسر بقدر إِعساره، تمتيعًا بالمعروف حقًّا على المؤمنين المحسنين ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ أي وإِذا طلقتموهن قبل الجماع وقد كنتم ذكرتم لهنَّ مهرًا معينًا فالواجب عليكم أن تدفعوا نصف المهر المسمّى لهن لأنه طلاقٌ قبل المسيس ﴿إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ
[ ١٣٦ ]
عُقْدَةُ النكاح﴾ أي إِلا إِذا أسقطت المطلّقة حقها أو أسقط وليُّ أمرها الحق إِذا كانت صغيرة، وقيل: هو الزوج لأنه هو الذي يملك عُقدة النكاح وذلك بأن يسامحها بكامل المهر الذي دفعه لها واختاره ابن جرير، وقال الزمخشري: القول بأنه الوليُّ ظاهر الصحة ﴿وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى﴾ الخطاب عام للرجال والنساء، قال ابن عباس: أقربهما للتقوى الذي يعفو ﴿وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي لا تنسوا أيها المؤمنون الجميل والإِحسان بينكم، فقد ختم تعالى الآيات بالتذكير بعدم نسيان المودّة والإِحسان والجميل بين الزوجين، فإِذا كان الطلاق قد تمَّ لأسباب ضرورية قاهرة فلا ينبغي أن يكون هذا قاطعًا لروابط المصاهرة ووشائج القربى.
البَلاَغَة: ١ - ﴿والوالدات يُرْضِعْنَ﴾ أمر أُخرج مخرج الخبر مبالغة في الحمل على تحقيقه أي ليرضعن كالآية السابقة ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] .
٢ - ﴿تسترضعوا﴾ فيه إٍِيجاز بالحذف أي يسترضعوا المراضع لأولادكم، كما أنّ فيه الالتفات من الغيبة إِلى الخطاب لأنّ ما قبله ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾ وفائدة هذا الالتفات هز مشاعر الآباء نحو الأبناء.
٣ - ﴿وَلاَ تعزموا عُقْدَةَ النكاح﴾ ذكر العزْم للمبالغة في النهي عن مباشرة النكاح، فإِذا نهي عنه كان النهي عن الفعل من باب أولى.
٤ - ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ كنّى تعالى بالمسّ عن الجماع تأديبًا للعباد في اختيار أحسن الألفاظ فيما يتخاطبون به.
٥ - ﴿وَأَن تعفوا﴾ و﴿وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل﴾ الخطاب عام للرجال والنساء ولكنه ورد بطريق التغليب.
٦ - ﴿واعلموا أَنَّ الله﴾ إِظهار الاسم الجليل في موضع الإِضمار لتربية المهابة والروعة.
الفَوائِد الأولى: التعبير بلفظ «الوالدات» دون قوله «والمطلقات» أو النساء المطلقات لاستعطافهن نحو الأولاد، فحصول الطلاق لهنَّ لا ينبغي أن يحرمهنَّ عاطفة الأمومة.
الثانية: أضاف تعالى الولد في الآية الكريمة إِلى كلٍّ من الأبوين في قوله: ﴿وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ و﴿مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ وذلك لطلب الاستعطاف والإِشفاق عليه، فالولد ليس أجنبيًا عن الوالدين هذه أمه وذاك أيوه فمن حقهما أن يشفقا عليه ولا تكون العداوة بينهما سببًا للإِضرار به.
الثالثة: الحكمة في إِيجاب المتعة للمطلقة هي جبر إِيحاش الطلاق قال ابن عباس: إِن كان معسرًا متعها بثلاثة أثواب، وإِن كان موسرًا متعّها بخادم.
الرابعة: روي أنّ الحسن بن علي متّع زوجته بعشرة آلاف درهم فقالت المرأة: «متاعٌ قليلٌ من
[ ١٣٧ ]
حبيب مفارق» وسبب طلاقه إيّاها ما روي أنه لما أصيب عليٌّ كرّم الله وجهه وبويع الحسن بالخلافة قالت له: لتهنك الخلافة يا أمير المؤمنين! فقال: يُقتل عليٌّ وتظهرين الشماتة؟ اذهبي فأنت طالق ثلاثًا، فتلفعت بجلبابها وقعدت حتى انقضت عدتها فبعث إِليها بعشرة آلاف متعة وبقية ما بقي لها من صداقها فقالت ذلك، فلما أخبره الرسول بكى وقال: لولا أنني طلقتها ثلاثًا لراجعتها.
[ ١٣٨ ]