ب ش ر:
قوله تعالى:﴾ لواحة للبشر ﴿[المدثر: ٢٩]. البشر: الخلق، سموا بشرًا اعتبارًا
[ ١ / ١٩١ ]
بظهور جلدهم من الشعر والصوف والوبر بخلاف الحيوانات فإنها مستترة بما ذكر. وذلك أن البشرة ظاهر الجلد، والأدمة: باطنه، نقله الراغب عن عامة الأدباء. وجمعها بشر وأبشار.
والبشر: مجتمع فيه الواحد والجمع كقوله:﴾ قل إنما أنا بشر ﴿[الكهف: ١١٠]﴾ ما أنتم إلا بشر ﴿[يس: ١٥]، لكنه يثنى كقوله:﴾ أنؤمن لبشرين مثلنا ﴿[المؤمنون: ٤٧]، وينبغي أن يكون هذا مثل ذلك في دلاص وهجان، أعني أنه جمع تكسيرٍ. والتعبير فيه تقديري لوجود التثنية، كما قال سيبويه في هذه الأحرف.
قوله تعالى:﴾ وهو الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا ﴿[الفرقان: ٥٤] إنما قال:﴾ بشرًا ﴿لأنه خص في القرآن كل موضعٍ اعتبر في الإنسان حسيه وظاهره بلفظ البشر.
ولما أراد الكفار الغض من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اعتبروا ذلك﴾ فقالوا أبشرًا منًا واحدًا تتبعه ﴿[القمر: ٢٤]﴾ أنؤمن لبشرين ﴿[المؤمنون: ٤٧]﴾ ما أنتم إلا بشر ﴿. وقوله تعالى:﴾ قل إنما أنا بشر مثلكم ﴿تنبيه أن الناس يتساوون في البشرية ولكن يتفاضلون في المعارف الجليلة. ولقد أعقبه بقوله:﴾ يوحي إلي ﴿[سبأ: ٥٠] يعني أنا وإن شاركتكم في البشرية إلا أن الله تعالى خصني من بينكم بهذا الإيحاء. تنبيهًا بما ميز به عليهم. وقوله:﴾ ما هذا إلا بشر ﴿[المؤمنون: ٢٣] تنبيه أنه لحسنه الفائق يمتنع أن يكون بشرًا بل ملك، لأن البشر يقدم لهم مثل هذا. وفي الأذهان إنه لا أحسن وأضوأ من الملك، كما أنه لا أقبح من الشيطان. وإنه لم ير لا هذا ولا ذاك. وتعلق بها من يفضل الملك على البشر، ولا دليل له فيه لما ذكرنا، ولو سلم فالزيادة في الحسن لا تقتضي التفضيل.
[ ١ / ١٩٢ ]
وقوله: ﴿فتمثل لها بشرًا سويًا﴾ [مريم: ١٧] إشارة إلى الملك تشبه لها في صورة بشرٍ.
وبشرت الأديم: أخذت بشرته. والبشارة: أول خبرٍ سارٍ، ولذلك لو قال لعبيده: من بشرني بولادة ذكرٍ فهو حر، فبشروه جميعًا دفعًة واحدًة عتقوا جميعًا. وإن بشروه على التعاقب عتق أولهم فقط بخلاف قوله: من أخبرني، فإن من أخبره أولًا كان أو آخرًا عتق. وهل يختص بالسار؟ المشهور نعم، ولا يقع في شر إلا على سبيل التهكم كقوله تعالى:﴾ فبشرهم بعذابٍ أليمٍ ﴿[آل عمران: ٢١] يعني أن أسر ما يسمعون من الخبر بما ينالهم من العذاب، ونحوه: [من الوافر]
١٦١ - تحية بينهم ضرب وجيع
وقيل: يستعمل في الخير والشر، لأن البشارة عبارة عن خبرٍ يتغير له البشر، وذلك يكون في الشر كما يكون في الخير، وقد أتقنت الكلام في ذلك في غير هذا الموضوع. ويقال: بشرت وبشرت، خفيفًا ومثقلًا، وأبشرت كأكرمت. قال: [من الطويل]
١٦٢ - بشرت عيالي إذ رأيت صحيفة عليك من الحجاج يتلى كتابها
وقرئ يبشر ويبشر، ولم يرد في القرآن الماضي إلا مثقلًا. قال الراغب: بين هذه الألفاظ فروق، فبشرته عام، وأبشرته نحو أحمدته، وبشرته على التكثير. ومن ورود أبشر في القرآن قوله:﴾ وأبشروا ﴿[فصلت: ٣٠] فقد جاءت ثلاث لغاتٍ في القرآن، إلا أنه لم يرد من ماضيها إلا التكثير كما تقدم.
وتباشير الصبح: أوله. وتباشير الوجه: ما يبدو من سروره. وتباشير النخل: ما يبدو من رطبه.
[ ١ / ١٩٣ ]
وقوله تعالى: ﴿يرسل الرياح مبشراتٍ﴾ [الروم: ٤٦] أي تبشر بأحدوثة بشرى بين يدي رحمته. وقوله ﵇: "انقطع الوحي ولم يبق إل المبشرات"، الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له". وفي الحديث: "من أحب القرآن فليبشر" أي فليسر. قال الفراء: إذا ثقل فمن البشرى، وإذا خفف فمن السرور. يقال: بشرته فبشر كجبرته فجبر. وقال ابن قتيبة. هو من بشرت الأديم، إذا رققت وجهه. قال: ومعناه فليضمر نفسه، كما روي "إن وراءنا عقبًة لا يقطعها إلا الضمر من الرجال". فعلى ما رواه ابن قتيبة بفتح الشين، وعلى ما رواه هو بضمها. وعلى الأول قول الشاعر: [من الكامل]
١٦٣ - فأعنهم وابشر بما بشروا به وإذا هم نزلوا بضنكٍ فانزل
وسمي ما يعطاه المبش ربشرى وبشارة. واستبشر: حد ما يبشره من الفرح. ومنه﴾ يستبشرون بنعمةٍ ﴿[آل عمران: ١٧١].
والبشارة بالكسر: مصدر بشرته، وبالفتح اسم للتحسين. ومنه قولهم: وجه حسن بين البشارة. والبشارة بالضم: ما يخرج من بشر الأديم، وهي لغة في البشارة بالكسر أيضًا.
والمباشرة: الإفضاء بالبشرتين، وكني به عن الجماع كقوله تعالى:﴾ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴿[البقرة: ١٨٧]. وقوله:﴾ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴿[يونس: ٦٤] قيل: هي في الدنيا الرؤيا الصالحة، وفي الآخرة الجنة.
[ ١ / ١٩٤ ]
ويؤيده الحديث المتقدم: "ولم يبق إلا المبشرات" الحديث.