ب غ ت:
البغت: مجيء الشيء على غفلةٍ من حيث لا يحتسب. والبغتة كذلك، قال تعالى:﴾ حتى إذا جاءتهم الساعة بغتًة ﴿[الأنعام: ٣١] أي فاجأتهم من غير علمٍ لهم بمجيئها. ويقال: بغته الشيء بغتًا وبغتًة يبغت فهو باغت. قال الشاعر: [من الطويل]
١٧٥ - إذا بغتت أشياء قد كان قبلها قديمًا فلا تعتدها بغتات
وبغت: يكون قاصرًا كما تقدم ومتعديًا. يقال: بغته الأمر يبغته بغتًا، وباغته ساعًة مباغتًة. كما يقال: فجأه الأمر يفجؤه فجًا، وفاجأه يفاجئه مفاجأة. وقال يزيد بن ضبة الثقفي: [من الطويل]
١٧٦ - ولكنهم ماتوا ولم أدر بغتًة وأفظع شيءٍ حين يفجؤك البغت
وقوله:﴾ أخذناهم بغتًة ﴿[الأنعام: ٤٤] يجوز نصبها من أوجهٍ: أحدها أنها حال
[ ١ / ٢١١ ]
من الفاعل أي باغتين، أو من المفعول أي مبغوتين، وإما على المصدر من معنى عامله كأنه أخذ بغتًة.
ب غ ض:
البغض: نفار النفس عن الشيء الذي ترغب عنه. وهو ضد الحب، فإن الحب استئناس النفس إلى الشيء الذي ترغب فيه. وقوله:﴾ قد بدت البغضاء من أفواههم ﴿[آل عمران: ١١٨] إشارة إلى ما يظهر من أثرها على ألسنتهم حيث يتكلمون بما يدل عليها، وإلا فالبغضاء أمر معنوي محلها القلب.
وقوله:﴾ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ﴿[المائدة: ٩١] إشارة إلى ما يحدث عند شرب الخمر من الأفعال والأقوال المؤدية إلى الإحن والشحناء وهي البغضاء. وفي الحديث: "ولا تباغضوا" يقال: أبغضته أبغضه إبغاضًا، فأنا مبغضه. وعلى هذا فالبغض اسم المصدر كالعطاء بمعنى الإعطاء.
ونقل الراغب أنه يقال: بغض الشيء بغضًا، وبغضته بغضاء، فاقتضى ذلك أن يقال: بغضت زيدًا، ثلاثيًا متعديًا. فالبغض مصدر بنفسه. وفي الحديث: "أن الله يبغض الفاحش المتفحش" وتأويله البعد من فيضه وتوفيق إحسانه منه.
ب غ ل:
قال تعالى:﴾ والخيل والبغال والحمير ﴿[النحل: ٨].
والبغال: جمع بغلٍ، وهو المتولد من بين الحمار والفرس. فتارًة يكون أبوه حمارًا وأمه فرسًا، وتارًة بالعكس. وهو أقوى الحيوانين، وخص بعدم التناسل، ولقوته
[ ١ / ٢١٢ ]
وخبئه قيل في وصف النذل من الناس: هو بغل. ولقوته شبه به البعير في سرعة سيره، فقيل: قد تبغل البعير يتبغل تبغلًا فهو متبغل. وما أغرب ما اتفق أن وقع هذا الجنس بين الجنسين المتولد هو منهما في اللفظ. فقال:﴾ والخيل والبغال والحمير ﴿، وقدم أشرف طرفيه وهو الخيل.
ب غ ي:
طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى؛ تجاوزه أو لم يتجاوزه. وقوله تعالى:﴾ ومن يبتغ غير الإسلام دينًا ﴿[آل عمران: ٨٥] هو افتعال من البغي بمعنى الطلب. وأكثر استعمال البغي في الأشياء المذمومة، لاسيما إذا أطلق نحو: زيد بغى. وقد بغى زيد على عمروٍ.
وقال الراغب بعد ما ذكر أن البغي طلب تجاوزٍ في الاقتصاد: فتارًة يعتبر في القدر الذي هو الكمية، وتارًة يعتبر في الوصف الذي هو الكيفية. فيقال: بغيت وابتغيت أي طلبت أكثر مما يجب. وكل موضعٍ ذكر فيه البغى فلابد من معنى المجاوزة فيه، كقولهم: بغت المرأة أي تجاوزت في الفجور الحد. فقال تعالى:﴾ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ﴿[النور: ٣٣] أي على الفجور لأنهن جاوزن ما ليس لهن.
وبغى الجرح: إذا تجاوز حد الفساد: وبغت السماء: تجاوزت الحد في المطر. وبغى زيد أي أفسد، إذا تجاوز ما ليس له تجاوزه، ومنه قول ذلك:﴾ ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله ﴿[الحج: ٦٠]. وأنشد المأمون حين بغى عليه أخوه الأمين: [من البسيط]
١٧٧ - يا طالب البغي إن البغي مصرعه فارتع فخير فعال المرء أعدله
فلو بغى جبل يومًا على جبلٍ لا ندك منه أعاليه وأسفله
وقال آخر: [من الكامل]
١٨٠ - ندم البغاة ولات ساعة مندم والبغي مرتع مبتغيه وخيم
[ ١ / ٢١٣ ]
وقال الراغب: "والبغي على ضربين: أحدهما محمود، وهو يتجاوز الحق إلى الإحسان، والفرض إلى التطوع. والثاني مذموم، وهو تجاوز الحق إلى الباطل، أو تجاوزه إلى الشبه، كما قال: "الحق بين والباطل بين وبين ذلك أمور مشتبهات" "ومن رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه" ولأن البغي قد يكون محمودًا ومذمومًا قال تعالى:﴾ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق ﴿[الشورى: ٤٢]، فخص العقوبة بمن بغيه بغير الحق".
قال الحباني: أصل البغي الحسد، وسمي الظلم بغيًا لأن الحاسد ظالم. قلت: هو داخل في قولنا مجاوزة الحد، لأن الحاسد تجاوز ما ليس ليه. واستدل على أن البغي الحسد بقوله:﴾ إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم ﴿[الشورى: ١٤]. وقيل: البغي: الاستطالة على الناس والكبر. ومنه قوله تعالى:﴾ إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ﴿[الأعراف: ٣٣].
وقوله:﴾ يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ﴿[يونس: ٢٣] أي وبال بغيكم راجع عليكم. وقوله:﴾ إذا هم يبغون ﴿[يونس: ٢٣] أي يفسدون. وقوله:﴾ غير باغٍ ولا عادٍ ﴿[البقرة: ١٧٣] أي غير متعد ما حد له. وقال ابن عرفة:﴾ غير باغٍ ﴿غير طالبها وهو عند غيرها.﴾ ولا عادٍ ﴿أي غير متعدٍ ما حد له. الأزهري:﴾ غير باغٍ ﴿أي غير ظالمٍ بتحليل ما حرم الله تعالى،﴾ ولا عادٍ ﴿أي غير متجاوز للقصد. مؤرج السدوسي: أي لا يبتغي فيأكله غير مضطر إليه ولا عادٍ أي لا يعدو شبعه. وقيل: غير باغٍ أي غير خارجٍ على الإمام، ولا عادٍ أي بقطع طريقٍ ونحوه، أي فهذا لا يرخص له في ذلك.
[ ١ / ٢١٤ ]
وقال الحسن: "غير متناولٍ للذةٍ، ولا متجاوزٍ سد الجوعة". وقال مجاهد: "غير باغٍ على إمامٍ ولا عادٍ في المعصية طريق الحق". وقيل:﴾ غير باغٍ ﴿أي غير طالبٍ ما ليس له طلبه، ولا متجاوزٍ لما رسم له.
وقولهم: بغى بمعنى تكبر، راجع إلى ما قدمته، فإنه تجاوز منزلته إلى ما ليس له تجاوزه. وقد فرقوا بين بغيتك وأبغيتك، فقالوا: بغيتك أي بغيته لك، ومنه قوله تعالى:﴾ يبغونكم الفتنة ﴿[التوبة: ٤٧]. وأبغيتك: أعنتك على البغاء، أي على طلبه.
"وابتغى: مطاوع بغى، فإذا قيل: ينبغي أن يكون هكذا فهو باعتبارين، أحدهما ما يكون مسخرًا للفعل نحو: النار ينبغي أن تحرق الثوب. والثاني بمعنى الاستئهال نحو: فلان ينبغي أن يعطي لكرمه، وعلى المعنيين جاء قوله تعالى:﴾ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴿[يس: ٦٩] أي لا يتسخر ولا يتسهل له". قال الراغب: ألا ترى أن لسانه لم يكن يجري به؟. قلت: ولذلك كان إذا تمثل بشيءٍ من الشعر أتى به على غير نظمه. كما يحكي أنه تمثل بقول طرفة فقال: [من الطويل]
١٧٩ - ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ويأتيك من لم تزود بالأخبار
فلقنه أبو بكرٍ: ويأتيك بالأخبار من لم تزود. فلم يقله. وقد نقل أنه تكلم بشيءٍ على سبيل الاتفاق، وقد أتقنا هذه المسألة - وخلاف الناس في أنه هل كان مصروفًا عن ذلك بطبعه، أو كان في قدرته ولكن لم يقله - في كتابنا "التفسير الكبير".
وابتغى: افتعلٍ من البغي. وقد غلب اختصاصها للاجتهاد في الطلب؛ فإن كان ذلك المطلوب محمودًا فابتغاؤه كذلك وكذا عكسه. فقوله:﴾ ابتغاء رحمةٍ من ربك ترجوها ﴿[الإسراء: ٢٨] محمود. وقوله:﴾ لقد ابتغوا الفتنة من قبل ﴿[التوبة: ٤٨] مذموم. وقولهم: ما أنبغي لك، وما أبتغي لك كذا، أي ما يصلح ولا يتسهل.
[ ١ / ٢١٥ ]
وقوله ﵇: "لا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله". قال الكسائي: هو من البغي. فقلت: ومعناه هيجان الدم. ويجمع باغٍ على بغاةٍ وهو قياسه، كعارٍ وعراةٍ، ورامٍ ورماةٍ، وعلى بغيان. وفي الحديث: "فانطلقوا بغيانًا"، وذلك نحو راعٍ ورعيان، والأول هو القياس: قال: [من الوافر]
١٨٠ - وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق