ب ك ر:
قال تعالى:﴾ ولهم رزقهم فيها بكرًة وعشيًا ﴿[مريم: ٦٢].
البكرة: هي أصل كل ما يتصرف منها كما سيتضح. والبكرة: هي أول النهار
[ ١ / ٢١٩ ]
لمقابلتها بالعشي وهي آخره، وقد اشتق منها لفظ الفعلن فقيل: بكر فلان في حاجته أي خرج بكرًة. والبكور: الخروج بكرة. والبكور بالفتح: المبالغ في البكور، ولتقدمها على سائر أوقات النهار استعمل منها كل متعجلٍ وإن لم يكن في ذلك الوقت، فقيل: بكر فلان في حاجته، وابتكر وباكر مباكرًة. ومن ذلك الحديث: "من بكر وابتكر" قيل: بادر بالصلاة أول وقتها، وهذا عام في سائر الصلوات. وأصرح منه: "لا تزال أمتي على سنتي ما بكروا بصلاة المغرب" أي صلوها عند سقوط القرص. ومعنى "وابتكر" أي: أدرك أول الخطبة.
وقال ابن الأنباري: الذي يذهب إليه في تكرير هاتين اللفظتين إرادة المبالغة، وذلك أن العرب إذا قصدت المبالغة اشتقت من اللفظ لفظًة أخرى على غير بنائها، وأتبعوها لها في الإعراب: فيقولون: شعر شاعر، وليل لائل. وأنشد: [من الرجز]
١٨٣ - حطامة الصلب حطومًا محطما
قال: فالحطوم والمحطم بمعنى الأول.
وفي الحديث أيضًا: بكروا بالصلاة في يوم الغيم فإنه من ترك العصر حبط عمله" أي قدموها في أول وقتها.
ومن ذلك باكورة الفاكهة لما سبق منها. وابتكر الرجل: أكل الباكورة. وابتكر الجارية: أخذ بكارتها أي عذرتها. ومنه البكر لأول ولدٍ، ولمن ولد له أولًا من الأب والأم. يقال في الكل بكر. قال الشاعر: [من الرجز]
١٨٤ - يا بكر بكرين، ويا خلب الكبد لأنت شيء كذراعٍ من عضد
[ ١ / ٢٢٠ ]
والبكر: التي لم تفتض. وقوله:﴾ لا فارض ولا بكر عوان ﴿[البقرة: ٦٨]. فالفارض: المسنة، والبكر: الفتية، والعوان: النصف، وهي كما قال تعالى بين ذلك. قال الشاعر: [من البسيط]
١٨٥ - لا تنكحن عجوزًا إن أتوك بها واخلع ثيابك عنها معلنًا هربًا
وإن أتوك وقالوا: إنها نصفٌ فإن أطيب نصفيها الذي ذهبا
قال الهروي: البكر: التي لم تنتج، يقال: حاجة بكر: التي لم يكن قبلها مثلها، وسحابة بكر أي لم تمطر قط ماء. وسميت البكر بكرًا لمقابلتها بالثيب لتقدمها عليها فيما يراد له النساء وجمعها أبكار، قال تعالى:﴾ فجعلناهن أبكارًا ﴿[الواقعة: ٣٦]. والبكرة على البير من ذلك، لتصور أول السرعة فيها.
قوله:﴾ بالعشي والإبكار ﴿[آل عمران: ٤١]. الإبكار مصدر أبكر يبكر. ويقال: أبكر يبكر إبكارًا. وبكر يبكر تبكيرًا فهو مبكر. وابتكر يبكر ابتكارًا فهو مبتكر. وبكر يبكر بكورًا فهو باكر، كله بمعنى واحدٍ. وإن كان قد يقع في بعضها فرق، وذلك غير خفيٍ.
ب ك ك:
قال تعالى:﴾ للذي ببكة مباركًا ﴿[آل عمران: ٩٦].
بكة: قيل مكة والعرب تعاقب بين الباء والميم، قالوا: ضربة لازمٍ ولا زبٍ، وسبد رأسه وسمده، وهو قول مجاهدٍ في آخرين، وقيل: بل هما مما يترادفان كبر وحنطةٍ. وإنما سميت مكة بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا قصدوا منها إلحادًا، وقيل: لازدحام الناس فيها، وفي الحديث: "فتباك الناس عليه" أي ازدحموا.
[ ١ / ٢٢١ ]
وقيل: مكة اسم للبلد، وبكة اسم لبطنها، وهو جميع المسجد، وقيل: بل اسم لموضع الطواف لأن الناس يتباكون فيه أي يزدحمون، وقيل: بل اسم للبيت خاصة، لأنه يبك من قصده بسوءٍ، ولأن الناس يتباكون حوله.
ب ك م:
قال تعالى:﴾ صم بكم ﴿[البقرة: ١٨].
البكم: الخرس، والأبكم: الأخرس، وقيل: هو الذي يولد أخرس، فكل أبكم أخرس من غير عكسٍ. وقد بكم عن الكلام لضعفه عنه لضعف عقله، فصار كالأبكم. والبكم جمع الأبكم نحو حمرٍ في أحمر، المراد بكمًا، ووصفوا هنا بالبكم وإن كانوا فصحاء لأنهم لما لم يتكلموا بما يجدي عليهم نفعًا، جعلوا بكمًا كما جعلوا صمًا، وإن كانوا سامعين لما لم يسمعوا، وعميًا وإن كانوا بصراء، لأنهم لا بصائر لهم، وهذا من أحسن تشبيهات القرآن وأبلغها.
ب ك ي:
البكاء والبكى بالمد والقصر مصدر بكى إذا صرخ من حزنٍ لمصابه. وقد يوجد مع الفرح، وإليه أشار من قال: [من الكامل]
١٨٦ - هجم السرور علي حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني
يا عين قد صار البكى لك عادة تبكين في فرحٍ وفي أحزان
والمعروف أن المصدرين بمعنى، وأن المد والقصر لغتان. وقد جمع بينهما من قال: [من الوافر]
١٨٧ - بكت عيني وحق لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل
[ ١ / ٢٢٢ ]
وفرق الراغب بينهما فقال: البكاء بالمد: سيلان الدمع من حزنٍ وعويلٍ، يقول: إذا كان الصوت أغلب كالرغاء وسائر الأبنية الموضوعة للصوت. وبالقصر إذا كان الحزن أغلب. وبكى: يقال في الحزن وإسالة الدمع معًا. ويقال في كل واحدٍ منهما منفردًا عن الآخر.
وقوله:﴾ فليضحكوا قليلًا وليبكوا كثيرًا ﴿[التوبة: ٨٢] إشارة إلى الفرح والترح، وإن لم يكن مع الضحك قهقهة ولا مع البكاء إسالة دمعٍ. وأنشدوا في المعنى: [من الطويل]
١٨٨ - مسرة أحقابٍ تلقيت بعدها مساءة يومٍ أريها يشبه الصاب
فكيف بأن تلقى مسرة ساعةٍ وراء تقصيها مساءة أحقاب
وقوله تعالى:﴾ فما بكت عليهم السماء والأرض ﴿[الدخان: ٢٩] قيل: إن ذلك حقيقة عند من يجعل لهما حيًاة وعلمًا. وفي الحديث: "إن الرجل الصالح يرفع عمله وله ريح طيب يدخل من أي باب شاء من أبواب السماء. فإذا مات انقطع عمله ذلك فتبكي عليه السماء لفقدان ذلك العمل، وكذلك الأرض لفقداته من فوقها" وقيل: بل ذلك على مجاز الحذف أي اهلهما وهم الثقلان من الناس والملائكة. وقيل: بل جاء ذلك على ما كانوا يتعارفونه، من قولهم في الرجل العظيم إذا مات: بكت عليه السماء والأرض، وكسفت لموته الشمس. وكذلك بكت عليه الجبال. قال: [من الكامل]
١٨٩ - لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع
وقال: [من البسيط]
١٩٠ - الشمس طالعةٌ ليست بكاسفةٍ تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
[ ١ / ٢٢٣ ]