ب ن ن:
قوله تعالى:﴾ على أن نسوي بنانه ﴿[القيامة: ٤] البنان: الأصابع، سميت بذلك لأن بها إصلاح الأحوال التي يمكن للإنسان أن يبين بها. يقال: أبن بالمكان يبن أي أقام. ومنه البنة لرائحة التي تبن بما تعلق به. وفي الحديث: "إن للمدينة بنًة"، قال أبو عمروٍ: هي الرائحة الطيبة، قال الأصمعي: هي الرائحة مطلقًا. قلت: إنما خصها أبو عمروٍ بالطيبة لخصوصيًة المادة.
وقال الأشعث لعلي بن أبي طالبٍ ﵁: "أحسبك ما عرفتني يا أمير المؤمنين. قال: بلى، وإني لأجد بنة الغزل منك"، قيل: أراد أنه نساج. وواحد البنان بناتة على حد عز وعزة. قال النابغة: [من الكامل]
١٩٥ - بمخضبٍ رخصٍ كأن بنانه عنم يكاد من اللطافة يعقد
[ ١ / ٢٣٣ ]
وقال آخر: [من الوافر]
١٩٦ - فإن أهلك فرب فتًى سيبكي علي مهذبٍ رخص البنان
وللناس على قوله:﴾ على أن نسوي بنانه ﴿تأويلان، أحدهما أن يجعل أصابعه ملتصقًة غير مفترقةٍ، بل هي كخف البعير أو حافر الحمار، فلا ينتفع بها، وهو قول أكثرهم. والثاني: إنا نقدر على أن نجمع أصغر عظامه ونؤلفها بعد تمزيق جلدها وعصبها. وإذا قدرنا على جمع هذه مع دقتها فلأن نقدر على جمع كبارها أولى وأجرى، وهذا أليق بسياق الآية.
وقوله:﴾ واضربوا منهم كل بنانٍ ﴿[الأنفال: ١٢] إنما خصها لأنها أنفع الأعضاء في مزاولة الأشياء لاسيما في القتال.
ب ن و:
الابن عند الجمهور لامه واو، حذفت لامه وعوض عنها همزة الوصل أوله كاسمٍ، وابنة مؤنثة وكذلك بنت، إلا أنهم عوضوا من لامها تاء التأنيث، وسمي تاء العوض كتاء أختٍ. ويكسر ابن على أبناء، ويصحح فيرفع بالواو وينصب ويجر بالياء.
قال تعالى:﴾ المال والبنون زينة الحياة الدنيا ﴿[الكهف: ٤٦]﴾ يوم لا نيفع مال ولا بنون ﴿[الشعراء: ٨٨]﴾ يا بني إسرائيل ﴿[البقرة: ٤٠]﴾ وخرقوا له بنين وبناتٍ ﴿[الأنعام: ١٠٠].
وقيل: ابن اشتقاقًا من البناء لأنه بناء أبيه أي أصل في وجوده، وقيل لكل من كان يحصل من جهته تبن أو من تربيته هو ابنه، ولملازم الشيء نحو: هو ابن السبيل، وابن الحرب.
وقوله:﴾ هؤلاء بناتي ﴿[هود: ٧٨] وقوله:﴾ لقد علمت ما لنا في بناتك من حق ﴿[هود: ٧٩] أراد نساء أمته وسماهن بناته لأن النبي أب لأمته حسبما قدمنا في
[ ١ / ٢٣٤ ]
صدر هذا الكتاب. ومعناه: هؤلاء نساؤكم فانكحوهن على الوجه المرضي. وقيل: أراد ماءه لصلبه، وإنما خاطب بذلك كبار قومه وهم قليل، وإلا فمحال أن يقول ذلك للجم الغفير.
وقوله:﴾ ويجعلون لله البنات ﴿[النحل: ٥٧] أراد الملائكة، وذلك أن الكفار يزعمون، وقد كذبوا أن يقال: تزوج بسروات الجن فأولدهم الملائكة، وسموهم بناته. وإليه أشار بقوله:﴾ سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا ﴿[الإسراء: ٤٣]﴾ وجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا ﴿[الصافات: ١٥٨] وقد يعرب بنين مع الياء بالحركات تشبيهًا له بلفظ قطينٍ، قال: [من الوافر]
١٩٧ - وكان لنا أبو حسن علي أبًا برًا ونحن له بنين
والبنيان: وضع شيءٍ بترتيبٍ خاصٍ، وهو جمع لا واحد له. وقيل: بل واحده بنيانة. وقوله تعالى:﴾ كأنهم بنيان مرصوص ﴿[الصف: ٤] من أبلغ تشبيهٍ، لم يكتف بذكر البنيان حتى وصفه بأبلغ إتقانٍ. واسم الجنس يذكر ويؤنث، ومن التذكير﴾ بنيان مرصوص ﴿كقوله:﴾ أعجاز نخلٍ منقعرٍ ﴿[القمر: ٢٠]. ولو أنث لجاز كقوله:﴾ نخلٍ خاويةٍ ﴿[الحاقة: ٧].
وقوله:﴾ أفمن أسس بنيانه ﴿[التوبة: ١٠٩] الآية استعارة بديعة، وذلك أن الأمر الذي يربيه الإنسان من دينٍ واعتقاد إنما يربيه على نظرٍ وتأملٍ ووضع شيءٍ فشيءٍ، وهذا أشبه شيءٍ بالبناء.
ويقال: بنيت أبني بنًاء وبنيًة وبنىً وبنيانًا. ويعبر ببنية الله عن الكعبة. والبناء: البيت ولو كان من وبرٍ أو شعرٍ. وأبنيته: أعطيته ما يبني به بيتًا. والمبناة: القبة. قال النابغة: [من الطويل]
١٩٨ - على ظهر مبناةٍ جديدةٍ سيورها يطوف بها وسط اللطيمة بائع
[ ١ / ٢٣٥ ]
وبنى فلان بامرأته أي دخل عليها، لأنهم كانوا إذا فعلوا ذلك بنوا عليها قبًة، فعبروا به عنه وإن لم يبنوا قبًة. والبناء أيضًا: النطع ومثله المبناة، وفي الحديث: "إلا إذا بسطنا له مبنًاة" أي نطعًا. وبنى طعامه لحمه، كناية عن سمنه. قال: [من الرجز]
١٩٩ - بنى السويق لحمها واللت كما بنى بخت العراق القت
والبنيات: الأقداح، وسأل عمر رجلًا: "هل شرب الجيش بالبنيات الصغار؟ "