ج ن ب:
قوله: ﴿والصاحب بالجنب﴾ [النساء: ٣٦].
الجنب: الجارحة المعروفة، وعبر بذلك عن ملازمته له وقربه منه، لأن الصاحب غالبًا يلصق جنبه إلى جنب الآخر في المماشاة والمحادثة والمصاحبة وغير ذلك. وقيل: هو كناية عن رفيق السفر، وقيل: عن المرأة. وأصل ذلك أنهم يستعيرون لجهة الجارحة اسمها كقولك: اليمين والشمال لجهتهما وناحيتهما.
قوله: ﴿في جنب الله﴾ [الزمر: ٥٦] أي في أمره وحده الذي حده لنا، فاستعير ذلك لأوامره ونواهيه، أي على ما في أوامره ونواهيه. يقال: ما فعلت في جنب حاجتي أي في أمرها، قاله ابن عرفة وأنشد قول كثير عزة: [من الطويل].
٣٠٣ - ألا تتقين الله في جنب عاشقٍ له كبد حرى عليك تقطع؟
[ ١ / ٣٤٤ ]
وعن الفراء: ﴿في جنب الله﴾ أي في قربه وجواره.
وجانب الشيء: جنبه. ومنه قوله تعالى: ﴿أعرض ونأى بجانبه﴾ [الإسراء: ٨٣] كناية عن تكبره نحو: ﴿ثاني عطفه﴾ [الحج: ٩]، ﴿يثنون صدورهم﴾ [هود: ٥]، ﴿ولا تصعر خدك﴾ [لقمان: ١٨] كله بمعنى التكبر، لأن المتكبر يفعل ذلك غالبًا.
وقوله: ﴿دعانا لجنبه﴾ [يونس: ٢١] يعني مضطجعًا لجنبه، ولهذا عطف عليه ﴿قاعدًا أو قائمًا﴾ والمعنى: دعاء في سائر أحواله لأن الإنسان لا يخلو حاله عن إحدى هذه الهيئات.
وقوله: ﴿والجار الجنب﴾ [النساء: ٣٦] يعني القريب، قيل له ذلك لمجانبته من يجاوره نسبًا ومنزلًا.
يقال: رجل جنب، ورجال جنب، وامرأة جنب، وهما جنبان، والمطابقة قليلة. وكذلك الجنب من الجنابة الموجبة للغسل يستوي فيها الواحد وغيره. قال تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا﴾ [المائدة: ٦] سمي بذلك لبعده من مكان الصلاة. يقال: جنب وأجنب، ويقال: رجل جنب أي غريب، وجانب أيضًا، وجمعه جناب كراكبٍ وركاب.
والجنب: البعد في الأصل، فأطلق على الأناسي إطلاق المصادر عليها نحو: رجل عدل، وفيه مذاهب للناس بيناه غير مرةٍ. قوله: ﴿فبصرت به عن جنبٍ﴾ [القصص: ١١] أي عن بعدٍ. والجنابة: البعد أيضًا. ومنه قول علقمة بن عبدة: [من الطويل].
٣٠٤ - فلا تحرمني نائلًا عن جنابةٍ فإني امرؤ وسط القباب غريب
وجنب الرجل جنابة: إذا احتلم. وسار جنيبه وجنيبته وجنابيه وجنابيته. وجنبته: أصبت جنبه، نحو كبدته. وجنب: اشتكى جنبه، نحو: فئد وكبد. قيل: وبني الفعل من
[ ١ / ٣٤٥ ]
الجنب على وجهين: أحدهما: الذهاب عن ناحيته، والثاني: الذهاب إليه. فمن الأول: ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت﴾ [الزمر: ١٧] ﴿فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠] أي اتركوه، وهو أبلغ منه، لأن معنى "اجتنبوه" اتركوا ناحيته وابتعدوا عنها. وهذا أبلغ من قولك: اتركوه. ومثله في المعنى: لا أرينك ها هنا؛ نهاه عن قربنا مكان الرؤيا فهو أبلغ من قوله: لا تجئني.
وقوله: "فلا تحرمني نائلًا عن جنابةٍ" أي بعدٍ، وقوله تعالى: ﴿واجنبني وبني﴾ [إبراهيم: ٣٥] أي أبعدني، من جنبته عن كذا أي أبعدته. قال الراغب: وقيل: هو من جنبت الفرس، كأنما سأله أن يقوده عن جانب الشرك بألطافٍ منه وأسبابٍ خفيةٍ.
والجنب: الروح في الرجلين عن الأخرى خلقة. والريح الجنوب: يحتمل أن تكون سميت بذلك لمجيئها من جنب الكعبة، أو لذهابها عنه لوجود المعنيين فيها. وجنبت الريح: هبت جنوبًا. وجنبت زيدًا: أصابته الجنوب. وأجنب: دخل فيها. وسحابة مجنوبة: هبت عليها. وجنب فلان خيرًا أو شرًا إلا أنه متى أطلق لا يكون إلا عن الخير. ويقال ذلك في الخير والدعاء. وجنب الحائط وجانبه: ناحيته.
ج ن ح:
قوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم﴾ [الأنفال: ٦١] أي مالوا ﴿فاجنح لها﴾ أي مل. وأصله من: جنحت السفينة أي مالت بأحد جانبيها، وجانباها: جناحاها. وأصل هذا من جناح الطائر؛ قال تعالى: ﴿ولا طائر يطير بجناحيه﴾ [الأنعام: ٣٨]. وجنحت الطائر: أصبت جناحه، ثم عبر عن جانبي الشيء بجناحيه؛ فقيل: جناحا الإنسان ليديه، كما قيل لجناحي الطائر يداه على الاستعارة فيهما. وجناحها السفينة، وجناحا الوادي، وجناحا العسكر.
[ ١ / ٣٤٦ ]
وقوله: ﴿واضمم يدك إلى جناحك﴾ [طه: ٢٢] أي ما بين إبطك وعضدك. وقوله: ﴿واخفض لهم جناح الذل﴾ [الإسراء: ٢٤]، استعارة بديعة، وذلك أنه لما كان الذل ضربين؛ ضرب يرفع الإنسان وضرب يضعه، وكان المقصود في هذا المكان جهة الرفع قيل جناح الذل، كأنه قيل: استعمل الذل الذي يرفعك عند الله من أجل الرحمة أو من أجل رحمتك لهما. وجنح البعير في سيره: أسرع، كأنهم تصوروا له جناحين.
وجنح الليل: أقبل بظلامه، والجنح قطعة من الليل مظلمة. والجناح: الإثم، وأصله ما يميل بك عن الحق. ومنه الجوانح: وهي عظام الصدر المتصلة رؤوسها في وسط الزور، والواحدة جانحة سميت بذلك لميلانها. وعصا الرجل تسمى بالجناح لاستعانته بها؛ وبها فسر الفراء ﴿واضمم إليك جناحك﴾ [القصص: ٣٢]، قال: عصاك؛ ولذلك كنت العرب عن القوة والثروة بالجناح؛ قالوا: طال جناح فلانٍ، لمن أثرى. وقص جناحه لمن افتقر؛ استعارة من الطائر المقصوص.
ج ن د:
الجند: العسكر المعد للتقال اعتبارًا بالجند؛ وهي الأرض الغليظة الكثيرة الأحجار. ثم قيل لكل مجتمعٍ: جند. ويجمع على أجنادٍ وجنودٍ. قال: ﴿ما يعلم جنود ربك إلا هو﴾ [المدثر: ٣١] أي خلائقه التي إن أراد أن يهلك بها من شاء أهلكته.
وقوله: ﴿وما أنزلنا على قومه من بعده من جند﴾ [يس: ٢٨] أي أن صيحة الملك قد أهلكتهم، فلم يحتج معها إلى إنزال جند.
وقوله: ﴿إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها﴾ [الأحزاب: ٩]؛ الجنود الأولى هم الكفار، والثانية الملائكة. وهذا يدل على عظيم قدر نبينا ﷺ إذ كان ربنا يهلك أهل القرى بصيحة ملكٍ واحدٍ، وينصر رسوله بآلافٍ من الملائكة، فيهم ذلك الملك الذي كان يهلك بصيحته القرى، وهو جبريل، اعتناءً بشأنه ﷺ.
[ ١ / ٣٤٧ ]
وقوله ﷺ "الأرواح جنود مجندة" أي مجتمعة، نحو قناطير مقنطرة، وألوفٍ مؤلفة يقصد به التكثير.
ج ن ف:
الجنف: الميل في الحكم. ومنه: ﴿فمن خاف من موصٍ جنفًا﴾ [البقرة: ١٨٢] أي ميثلًا ظاهرًا وقوله: ﴿غير متجانفٍ﴾ [المائدة: ٣] أي غير مائل إليه بفاعلٍ منه. يقال: جنف علي يجنف جنفًا فهو جنف. وفي الحديث: "إنا نرد من جنف الظالم مثلما نرد من جنف الموصي".
وعن عمر ﵁: "ما تجانفنا".
وقيل: الجنف: الجور، وهو في معنى الميل أيضًا.
ج ن ن:
قوله تعالى: ﴿جنات﴾ [البقرة: ٢٥] و﴿جنة﴾ [البقرة: ٣٥] الجنة: قيل: هي في الأصل البستان ذو الشجر الساتر بأشجاره الأرض. وقد يطلق على الأشجار نفسها جنة. وأنشد لزهيرٍ: [من البسيط].
٣٠٥ - كأن كأن عيني في غربي مقتلةٍ من النواضح تسقي جنة سحقا
سمي بذلك لستره الأرض من يدخل فيه. وكيفما دارت هذه المادة دلت على الستر. ومنه الجن: لاستتارهم عن العيون، لذلك سمي مقابلهم بالإنس لأنهم يؤنسون أي يبصرون.
وقوله: ﴿وخلق الجان﴾ [الرحمن: ١٥]، قيل: هو أبو الجن كما آدم ﵇
[ ١ / ٣٤٨ ]
أبو الإنس. وقوله: ﴿أم يقولون به جنة﴾ [المؤمنون: ٧٠] أي جنون لأنه يستر العقل. وقوله: ﴿من الجنة والناس﴾ [الناس: ٦] هم الجن. وكذلك ﴿يجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا﴾ [الصافات: ١٥٨].
والمجنة والمجن: الترس لستر حامله. وقوله: ﴿أجنة في بطون أمهاتكم﴾ [النجم: ٣٢] جمع حنينٍ وهو ما في البطن لاستتاره في الرحم. وكذلك قال تعالى: ﴿في ظلماتٍ ثلاثٍ﴾ [الزمر: ٦] قيل: ظلمة الرحم، وظلمة البطن، وظلمة المشيمة.
والجنان: القلب لاستتاره بالصدر. وقوله: ﴿اتخذوا أيمانهم جنة﴾ [المجادلة: ١٦] أي جعلوها وقاية لهم كما يتقى بالترس، ومنه: أجنة الليل. وجنه أي ستره بظلمته، قال تعالى: ﴿فلما جن عليه الليل﴾ [الأنعام: ٧٦]. يقال: جنه وأجنه وجن عليه، فجنه: ستره، وأجنه، جعل له ما يجنه، كقولك: سقيته وأسقيته، وقبرته وأقبرته. وجن عليه: ستر عليه.
وقوله: ﴿جنات﴾ [الكهف: ١٠٧] قال ابن عباس: إنما خصها لأنها سبع: جنة الفردوس، وجنة عدنٍ، وجنة النعيم، ودار السلام، ودار الخلد، وجنة المأوى، وعليون. وسميت الجنة في الآخرة جنةً إما تشبيهًا بجنة الأرض وإن كان بينهما بون وإما لسترها عنا نعمها المشار إليها بقوله: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم﴾ [السجدة: ١٧].
والجنين: الولد ما دام في البطن؛ فعيل بمعنى مفعول. والجنين: القبر فعيل بمعنى فاعلٍ. والجن يقال على وجهين؛ أحدهما للروحانيين المستترة عن الحواس كلها بإزاء الإنس، فعلى هذا يشمل الملائكة والشياطين؛ فكل ملكٍ جن، وليس كل جن ملكًا. قيل: الجن بعض الروحانيين، وذلك أن الروحانيين ثلاثة أجناسٍ: أخيار محض وهم الملائكة، وأشرار محض وهم الشياطين، وأوساط وهم الأخيار والأشرار. ويدل عليه قوله تعالى ﴿قل أوحي إلي أنه استمع﴾ [الجن: ١] إلى قوله: ﴿وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون﴾ [الجن: ١٤]، وعلى هذا فقوله: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا
[ ١ / ٣٤٩ ]
إبليس﴾ [الحجر: ٣٠ - ٣١] فإبليس استثناء منقطع لأنه من الجن، وقيل: متصل. وله موضع غير هذا.
ويقال: جن فلان، على صيغة ما لم يسم فاعله. ومعنى جن أصابه جن، أو أصيب جنانه وهو عقله، تعبيرًا عنه بالقلب. وقوله: ﴿معلم مجنون﴾ [الدخان: ١٤] أي عن تعلمه. والجان: أبو الجن كما تقدم. وقيل: نوع من الجن.
والجان أيضًا: الحيات الخفاف، هو عندي إنما سميت بذلك تشبيهًا بالجان لخفتها وسرعة انقلابها، وجمعها جنان، وفي حديث كشح زمزم قال العباس: "يا رسول الله إن فيها جنانًا كثيرةً". وفي آخر: "نهى عن قتل الجنان" التي تكون في البيت، وجمع فاعل على فعلان غريب. وقال ابن عرفة: الجان: الحية الصغيرة. وقد تقدم الجواب عن عصا موسى كيف وصفت تارةً بالثعبان؛ وهو العظيم من الحيات، وتارةً بالجان هو الصغير، وفي مادة "ث. ع. ب" وقد ذكره الهروي هنا.
ج ن ي:
قوله تعالى: ﴿وجنى الجنتين دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]؛ المجتنى من ثمرهما قريب. فالجنى مصدر واقع موقع المفعول. وقيل: هو فعل بمعنى مفعول كالقبض والنقض. والجنى والجني: المجتنى، والتمر أو العسل، وأكثر ما يقال ذلك في الثمر إذا كان غضًا، كقوله: ﴿رطبًا جنيًا﴾ [مريم: ٢٥]. يقال: جنيت الثمرة واجتنيتها وأجنت الشجرة: أدرك ثمارها. وحقيقته: صارت ذات جنى. واستعير من ذلك: جنى على فلان: إذا أصابه بشر. وعن علي ﵁: [من الرجز].
٣٠٦ - هذا جناي وخياره فيه إذ كل جانٍ يده إلى فيه
[ ١ / ٣٥٠ ]
بمعنى أنه ﵁ لم يلتمس شيئًا من فيء المسلمين. وأصل المثل لعمرو ابن أخت جذيمة، وذلك أنه خرج يجتني الكمأة مع رفقته، فجعل كل منهم إذا وجد طيبًا أكله وإذا وجد هو الطيب جناه في كمه لخاله جذيمة. فلما قالها أرسلها مثلًا من آثر صاحبه بخير ما عنده.
وفي بعض الأحاديث: "أهدي إليه أجنٍ زغب"؛ أجنٍ: جمع جنى، والأصل أجنى على أفعل، كما يجمع عصًا على أعصٍ، والأصل: أعصو، فقلبوا الضمة في أجنى كسرةً لتصح الياء، ثم اعتل إعلال قاضٍ والإشارة بذلك إلى القثاء؛ سماه جنى لكونه غضًا، والمشهور في رواية هذا "أجرٍ" بالراء جمع جروٍ وهو القثاء.