ح د ب:
قوله تعالى: ﴿وهم من كل حدب ينسلون﴾ [الأنبياء: ٩٦].
الحدب: النشر وهو المرتفع من الأرض كالآكام. وعبر بذلك عن القبور لارتفاعها غالبًا. والحدب ارتفاع الظهر. وهو عظام تنبو، وذلك هو الحدب. وإذا وقع ذلك في عظام الصدر قيل له: فعس، ومنه قوله: [من الطويل]
٣٢٦ - تقول ودقت صدرها بيمينها أبعلي هذا بالرجات المتقاعس؟
[ ١ / ٣٧٨ ]
رجل أقعس. ثم يعبر بالحدب عن الشيء الشنع المستوحش، ومنه قيل لآلة الميت حدباء؛ قال كعب ابن زهير: [من البسيط]
٣٢٧ - كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماُ على آله حدباء محمول
أي شنعاء صعبةٍ.
وقال الراغب: يجوز أن يكون الحدب في الأصل حدب الظهر. يقال: حدب الرجل يحدب حدبًا فهو أحدب. وناقةً حدباء تشبيها بذلك، ثم شبه به ما ارتفع من الأرض.
ح د ث:
الحدوث: كون الشيء بعد أن لم يكن، وإحداثًه: إيجاد وسواء كان المحدث جوهرًا أو عرضًا، واختص الباري تعالى بإحداث الجواهر. ويقال لكل ما قرب عهده:
محدث فعلًا كان أو قولًا. ومن ثم قيل: ﴿ما يأتيهم من ذكر ربهم محدث﴾
[الأنبياء] إنزاله وإيجاده وإلا فكلامه تعالى قديم. ومنه يسمى القرآن حديثًا؛ قال تعالى: ﴿أفمن هذا الحديث تتعجبون﴾ [النجم:٥٩] ﴿أفبهذا الحديث أنتم مدهنون﴾ [الواقعة:٨١] ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابًا﴾ [الزمر:٢٣].
وقوله: ﴿وإذا أسر النبي إلى بعض أزاوجه حديثًا﴾ [التحريم:٣] ﵅ كما أوضحناه. وقوله: ﴿حتى أحدث لك منه ذكرا﴾ [الكهف:٧٠] أي أجداد، أي: لا تكن أنت البادئ بالسؤال عما تراه، بل اصبر حتى أكون أنا المبتدئ بذلك وبيان قوله: ﴿وعلمتني من تأويل الأحاديث﴾ [يوسف:١٠١] هو علم الرؤيا سماها أحاديث لأن أهلها يحدثون بها من يعبرها بهم. وقيل لما حدث به الإنسان في نومه.
وقوله: ﴿فجعلناهم أحاديث﴾ [سبأ:٩٠] أي أخبارا وسمرًا يتحدثون بحديثهم
[ ١ / ٣٧٩ ]
ويتعجبون من أخبارهم.
والأحاديث جمع أحدوثةٍ تقديرًا، أو جمع حديثٍ على غير قياس نحو أباطيل وأقاطيع وأبابيل.
والحديث يقابل القديم. ومنه ثمر حدث للطريً وثمر قديمً. ويقولون: أخذه ما حدث وما قدم، بضم دال حدث لأجل دال قائم. فإذا أفردوا قالوا حدث بالفتح فقط.
والمحدث من يلقي في روعة شيء من جهة الملاٍ الأعلى، ومنه الحديث:"إن يكن في هذه الأمة محدث فهو عمر"، ولذلك كان رضي الله ينطق بأشياء فينزل القرآن على وفقها، ورجل حدث وحديث السن أي صغير السن.
والحاثة: النازلة لطرائها، وجمعها حوادث، والحدثان بمعناها؛ قال: [من الوافر]
٣٢٨ - رمى الحدثان نسوة آل سعد بأمر قد سمدن له سمودا
فرد شعورهن السود بيضًا ورد وجوههن البيض سواد
ورجل حدوث: حسن الحديث. ورجل حدث نساء أي محادثهن. وقوله: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ [الضحى:١١] أي بلغ نعمته وهي القرآن وما يوحى إليك من السنة، أو ما أنعم به عليك إظهاراُ لنعمته وشكرانه. وهذا تعليم لنا، قيل: ولذلك يستحب للعالم أن يظهر العبادة ليتقدي به غيره لا للرياء. وقول الحسن:"حادثوا هذه القلوب بذكر الله" أي اجلوها كما يحادث السيف بالصقال. ومنه قول لبيد: [من الوافر]
٣٢٩ - كنصل السيف حودث بالصقال
[ ١ / ٣٨٠ ]
كذا أنشد ابن بري صدره، والمشهور أن صدره لامرئ القيس وعجزه وهو:
٣٣٠ - كنار مجوس تستعر استعارا
للتوءم، في قصة جرت لهما أوضحناها في "شرح التسهيل الكبير".
ح د د:
الحد هو الحاجز المانع من اختلاط شيئين بآخر. وحددت الدار: جعلت لها حدًا يميزها ويمنعها من اختلاطها بغيرها. والحد المعرف للشيء هو الوصف المحيط بمعناه المميز له عن غيره. ولذلك يقال فيه إنه مانع جامع؛ أي يمنع غيره من الدخول فيه ويجمع جميع ما يدخل فيه، وهو معنى قول المتكلمين: مطرد منعكس. فالجامع هو المنعكس، والمانع هو المطرد. وسميت الحدود لأنها تحد أي تمنع، وحدود الله: أوامره ونواهيه. ولذلك قال: ﴿فلا تقربوها﴾ [البقرة:١٨٧] جعلها كالمحسوسات من الأجرام، والمراد: ولا تخالفوها فتتركوا أوامرها، وتفعلوا مناهيها. والحدود المعاقب بها من ذلك لأنها تمنع من معاودة الذئب لمن فعله، وتمنع غيره أن يفعل مثل فعله كالقصاص.
وسمى البواب حدادا لأنه يمنع الداخل. قوله: ﴿وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله﴾ [التوبة:٩٧] قيل: أحكامه، وقيل حقائق معانيه، ثم حدوده تعالى أربعة أقسام: قسم لا يجوز فيه الزيادة ولا النقصان، وذلك كأعداد ركعات الصلوات المفروضة وكالصلوات الخمس. وقسمٍ يجوز فيه الزيادة عليه والنقصان عنه كصلاة النفل المقيدة مثل الضحى فإنها ثمانٍ فيجوز الزيادة عليها والنقصان منها. وقسم يجوز النقصان منه دون الزيادة مثل مرات الوضوء الثلاث والتزوج بأربعٍ فما دونها. وقسم بعكسه.
والراغب قال: هي أربعة أضربٍ، ولم يذكر إلا ثلاثةً، ولم يمثل إلا للأول.
والحديد: هو الجوهر المعروف، سمي بذلك لما فيه من المنع. قال تعالى:
[ ١ / ٣٨١ ]
﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد﴾ [الحديد:٢٥]. ويعبر عن الحديد بالشيء المتناهي في بابه كقوله: ﴿فبصرك اليوم حديد﴾ [ق:٢٢] أي ثابت نافذ. وفلان حديد الفهم أي ذكي القلب صافي الذهن. وأصلها من الحديد لأنه تثبت به الأشياء. وفيه: لسان حديد أي مصلت كحدة السيف. قال تعالي: ﴿سلقوكم بالسنةٍ حداد﴾ [الأحزاب:١٩].
وحددت السكين: شحذتها. وأحددتها: جعلت لها حدًا، ثم قيل لكل ما دق في نفسه؛ إما من حيث الخلقة وإما من حيث المعني كالبصر والبصيرة: حديد. وقوله: ﴿إن الذين يجادلون﴾ [غافر:٥٦] أي يعادون. تأويله أن يكونوا جعلوا بمنزله من يقاتل بالحديد ويمانع به، أو يكونوا بمنزلة من صار في حد ومن عاداه في حد آخر في المسافة، وهو أن يصير أحد الخصمين في شق والآخر في شق. ورجل محدود أي ممنوع الرزق والحظ عكس المجدود، وهو صاحب الجد كما تقدم. فهو وإن جانسه خطًا فقد فارقه لفظًا ومعنى. ولما نزل قوله تعالى: ﴿عليها تسعة عشر﴾ [المدثر:٣٠] تكلم أبو جهل بكلامٍ، فقال له الصحابة:"تقيس الملائكة بالحدادين" أي السجانين لما تقدم من أن السجان مانع وهو البواب.
وفي الحديث:"لا يحل لأحد أن يحد على ميت أكثر من ثلاثة أيام" أي يمنع من المأكل والتزين؛ يقال: أحدث المرأة على زوجها تحد إحدادًا فهي محد. وحدت حدًا فهي حاد إذا امنتعت من الزينة. والحد: نشاط النفس.
وقي الحديث:"خيار أمتي أحداؤها"، قيل: جمع حديدٍ من الحدة. وفي الحديث:"عشر من السنة؛ وذكر الاستحداد" من الحديد، وهو حلق العانة بالحديد، وغلب على ذلك.
[ ١ / ٣٨٢ ]
ح د ق:
قال تعالي: ﴿حدائق وأعنابًا﴾ [النبأ:٣٢] ﴿حدائق ذات بهجة﴾ [النمل:٦٠]، هي جمع حديقةٍ، وهي القطعة من الأرض المستديرة ذات النخل والماء تشبيهًا بحدقة الإنسان في الهيئة وجمعها الماء. وقيل: الحديقة ما أحاط بها البناء من البساتين مطلقًا، وتصور من الحدقة الإحاطة، فقيل: أحدق به.
وحدق فيه النظر: إذا نظر إليه متأملا له، وتحدق أبلغ. وجمع الحدقة أحداق وحدائق. قال الشاعر، وهو أبو ذؤيب الهذلي: [من الكامل]
٣٣١ - فالعين بعدهم كأن حداقها سلمت بشوك فهي عور تدمع