افتتاحها بالحروف، ومثلها معها تسع وعشرون سورة، ثلاث منها
حروفها موحدة، ص - ق - ن، وتسع مثناة، طه - طس - يس - حم،
[ ١ / ١٠٧ ]
وثلاث عشرة - الر - طسم، واثتان، رباع، المص المر، واثنتان
على خمسة، كهيعص - حم عسق، والأقاويل المعروفة سبقت
في "كتاب لباب التفاسير"، وأذكر في هذا الكتاب الغريب منها على
الشرط المذكور أول الكتاب.
وجميع ما قالوا فيها - مع كثرتها - ترجع إلى ستة أصول:
أحدها: أنها حروف التهجي بعينها، اقتصر على ذكر
بعضها، كما قال:
لما رأيت أمرها في حطي. . . وأخذت في كذب ولطِّ
أخذت منها بقرون شمط. . . فلم يزل ضربي لها ومعطي
حتى علا الرأس دم يغطي
أي لما رأيت أمرها في أبجد، أي في أمر الصبيان واللط.
والمعط: التمزيق. وأبجد وهوز وحطى وكلمن وسعفص وقرشت.
أسماء ملوك مدين، في قول الشعبي. قال شاعرهم:
ملوك بني حطي وهوز منهم. . . وسعفص أهل في المكارم والفخر
هم صبحوا أهل الححاز بغارة. . . كمثل شعاع الشمس أوطالع الفجر
قال الضحاك: إنّها أسماء الأيام الستة التي قال الله تعالى في القرآن
[ ١ / ١٠٨ ]
(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) .
قال هشام بن عروة: إنها أسماء مَن وضع الكتابة، وضعوها على أسمائهم، ثم ألحق بها الروادف، وهي
ستة: ثخذ ضظغ. وروى معاوبة بن قرة عن أبيه عن النبي - ﷺ - أن
" أب ت ث " حروف من أسماء الله تعالى.
والقول الثاني أنها حروف ينبىء كل واحد منها عن اسم أو فعل.
والثالث: أنها أسماء الله أقسم بها أو أسماء القرآن، أو أسماء السور.
والرابع: أنها أسرار لا يمكن الوقوف عليها.
والخامس: أنها المتشابهات (وما يعلم تأويله إلا الله) .
والسادس: أن بعضها أفعال.
ومن غريب ما ذكر فيه: قول ابن عباس: ان "الر، حم، ن ": هو
الرحمن، وهذا قريب من القول الثاني.
وعن سعيد بن جبير: أن هذه الحروف إذا ألفت كانت أسماء الله، وإنْ كنا لا نقف على تآليفها، لقول ابن عباس: الر حم ن هو الرحمن، وكذلك سائرها، إلا أنا لا نقدر على وصلها، والجمع بينها.
قلت: تأملت في هذه الحروف وفي أوصاف الله
[ ١ / ١٠٩ ]
سبحانه، فاجتمع منها غير مكررة هذه الأسماء: هو حكم قسط علي ناصر.
والعذر عن الواو أنها زيادة تتبع هاء الكناية.
ومن الغريب: قول أبي العالية، ما منها حرف إلا في مدة قوم
وآجال آخرين، فبنى على هذا القول، وقيل: إن هذه الحروف من حساب
الجمل، وهي تدل على مدة بقاء الِإسلام، والمدة ستمائة وثلاث وتسعون
سنة، ثم تقوم القيامة.
قلت: وهذا باطل من ثلاثة أوجه:
أحدها أنَّ هذا دعوى معرفة القيامة وذلك مما استأثر الله بعلمه، فقال: (إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ)، وأمثالها من الآيات.
والثاني: أن العرب لم تكن تعرف حساب الجمل، والقرآن نزل بلسان عربي مبين، وإنما كان هذا علمًا يتعاطاه اليهود في ذلك الزمان، بدليل الخبر الذي رواه الكلبي عن أبي صالح عن
ابن عباس في (الم) قال: إن رهطًا من اليهود منهم كعب بن الأشرف
وحُيي وجُديْ أبناء أخطب، وأبو لبابة دخلوا على رسول الله - ﷺ - فسألوه عن: " ألف لام ميم "، وقالوا: ننشدك الله الذي لا إله إلا هو، أحق أنها أتتك من السماء):
فقال - ﷺ -: نعم كذلك نزلت، فقال حُيي: لئن كنت
[ ١ / ١١٠ ]
صادقًا إني لأعلم أجل هذه الأمة من السنين، ثم نظر إلى أصحابه: فقال:
كيف ندخل في دين رجل إنما منتهى أجل أمته إحدى وسبعون سنة، فقال له
عمر: وما يدريك أنَّها إحدى وسبعون؟
قال حي: أخذناها من حساب الجمل، فالألف واحد، واللام ثلاثون والميم أربعون، فضحك رسول الله - ﷺ - فقال حُيي: هل غير هذا، قال نعم، قال: وما هو؟.
قال: المص قال حُيي: هذه أكثر من الأولى، هذه مائة وإحدى وثلاثون سنة، وقد تبين لنا أن في هذه تفسير الأولى، لأنه قال: (لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)، فنحن المتقون الذين آمنا بالغيب قبل أنْ يكون، فهل غير
هذا.
قال: نعم، (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ)، قال حُيي: هذه
أكثر من الأولى والثانية، وقد أحكم فيهن، وفَصَّلَ، فنحن نشهد، لَئِنْ
كنت صادقًا فما ملك أمتك إلا إحدى وثلاثون ومائتا سنة، فاتق الله ولا
تقل إلا حقًا فهل غير هذا، قال: نعم (المر) إلى قوله: (لا يؤمنون)
قال حُيي:، فنحن نشهد وأنا من الذين لا يؤمنون، ولا ندري بأي قولك
نأخذ. فقال أبو ياسر، أما أنَا فأشهد بما أنزل على أنبيائنا إنَّهم قد أخبروا عن ملك هذه الأمة ولم يوقتوا كم يكون، فإنْ كان محمد صادقًا فيما يقول، إنّي لأراه سيجمع له هذا كله، فقام اليهود، وقالوا: أشبهت علينا أمرك، فلا ندري أبالْقَليل نأخذ أم بالكثير، فأنزل الله تعالى: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)
[ ١ / ١١١ ]
يعني بالمتشابهات: (الم والمص والمر) .
والثالث: أنه أخذ حساب الجمل غير مكرر، ولو أخذه مكررًا لكان
أضعافًا.
ومن العجب فيها: ما ذكر في (حم عسق) أنَّ المراد بها رجل يقال
له: أبو عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق يبني عليه مديتين. حكاه في
تفسيره الثعلبي، ورواه مرفوعًا أيضًا.
ومن العجب في حم عسق: قول من قال: الحاء: حرب علي
ومعاوية، والميم: ولاية المروانية، والعين: ولاية العباسية، والسين: ولاية
السفيانية. والقاف: قدرة مهدي، ثم قال: أردت بذكر ذلك أن تعلم أن فيمن يدعى العلم أيضًا حمقى.
ومن الغريب: ما حكاه النقاش في تفسيره: أن الله تعالى لما بشر أهل
الكتاب بمحمد - ﷺ - أخبرهم بعلامته، وعلامات كتابه، وكان "الم" من تلك العلامات التي أخبرهم بها، فقال "الم ذلك" أي الم علامات ذلك الكتاب الذي بشرتم به.
ومن العجيب جدا: ما حكاه ابن حبيب في تفسيره: أنه قال بعضهم:
معنى ألف، ألف الله محمدًا فبعثه نبيًا، ومعنى لام، لامه الجاحدون، ومعنى
ميم، مِيمَ الجاحدون المنكرون، من الموم وهو البرسام.
قال: وقال
[ ١ / ١١٢ ]
بعضهم: (الم) تنبيه، معناه ألم كقوله: (ألَمْ ترَ كيْفَ)، قال: وهو لا
يفيد معنى، إذا قلت: "الم ذلك الكتاب"، قال: وقال بعضهم: هو
جواب التلبية، جعله من الإلمام - والله أعلم -.