"الرب" من التربية، والتربية تبليغ الشيء إلى كماله على التدريج. وفي
الفعل منه أقوال، أحدهما: رب الشيء يربه فهو راب، والشيء
مربوب. والثاني: رباه تربية، قال (أَلَم نربكَ)
والثالث: رببه تربيبًا.
وهذا أصله ربي، قلب الثالث من الباءات، ياء، والرابع: وهو غرب ربت
تربيتًا، قال:
سميتُها إذ ولِدت تَموت. . . والقبر صِهر ضامن زِمِّيت.
ليس لمن ضمَّنة تربيت
وليس هذا من تركيب الرب، إنما هو من تركيب "ربت"، ولعل هذا
القائل، إنما ذهب إلى هذا، لأنه لم بجد على ترتيب ربت غير هذا، وله
[ ١ / ٩٧ ]
وجيه، وهو أن يقال: قلب الباء، ياء - كما ذكرت - ثم قلب الياء تاء.
و(العالمين) جمع عالم، والعالم، اسم لأشياء مختلفة لا واحد له من
لفظه، واختلفوا في المَعْنِي بهم في الآية فذهب الحسين بن الفضل:
إلى أَنهم الناس لقوله: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) .
عطية العوفي: الجن والإنس، لقوله: (ليكون للعالمين نذيرًا) .
وقيل: الملائكة والإنس والجن، لأن اشتقاقه من العلم، والموصوفين بالعلم
هم هؤلاء الثلاثة. وقيل: كل ذي روح، لأن لفظ الرب المنبىء عن
التربية يدل عليه، وقيل: جميع الخلق، لقوله (رَبُّ كُلِّ شيْءٍ)، وقيل:
أهل كل زمان، لقوله: (وَفَضَّلْنَاهْمْ عَلَى العالمين) وجُل المفسرين
على أن العالمين لا يحصى ولا يعرف عددهم، لقوله: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) .
مقاتل بن سليمان: لو فسرت العالمين لاحتجت إلى ألف
[ ١ / ٩٨ ]
جلد، كل جلد ألف ورقة. وذهب بعضهم إلى جواز ذلك. أبي بن
كعب: العالمون: هم الملائكة، وهم ثمانية عشر ألف ملك، أربعة آلاف
وخمسمائة بالمشرق، ومثله بالمغرب، وكذلك بالكتف الثالث والرابع. مع
كل من الأعوان ما لا يعلم عددهم إلا الله، ومن ورائهم أرض بيضاء
كالرخام، عرضها مسيرة الشمس أربعين يومًا، وطولها لا يعلمها إلا الله.
مملؤة ملائكة، يقال لهم: الروحانيون، ولهم زجل بالتسبيح والتهليل، لو
كشف عن صوت أحدهم هلك أهل الأرض من هول صوته، فهم العالمون
ومنتهاهم إلى حملة العرش.
وهب: لله ثمانية عشر ألف عالم، الدنيا عالم
منها، وما العمران في الخراب إلا كفسطاط في الصحراء. عطاء بن أبي
رباح: العالمون عشرة أصناف، الملائكة وآدم وذريته وإبليس وذريته.
والجان وذريته، والبهائم والوحوش والسباع والطيور والهوام ودواب البحر.
وأبو هريرة أطنب في ذكر العالمين، ثم قال: ومنهم مائة جزء في بلاد
الهند فيهم ساطوح، رؤوسهم مثل رؤس الكلاب، ومالوخ وهم أناس أعينهم على صدورهم، وماسوخ، وهم أناس آذانهم كآذان الفيلة، ومالوق، وهم أناس لا تطاوعهم أرجلهم يسمون ذوال ياي، ويصير كلهم إلى النار.
الضحاك: رأى ذو القرنين أمتين، بينهما طول الأرض كلها، أمة عند
مغرب الشمس، يقال لها: ناسك، وأمة عند مطلعها، يقال لها: منسك.
وأمتين بينهما عرض الأرض، أمة في الأيمن، يقال لها: هاويل، وأمة في
[ ١ / ٩٩ ]
الأيسر، يقال لها: تاويل، قال وهب: اسمهما: ناريس وماريس، وأممًا وسط الأرض، منهم الجن والإنس، ويأجوج ومأجوج.
قال الفراء: العالمين في الرفع والنصب والجر بالياء. ذكره في كتاب
لغات القرآن " له.
النقاش: العرب تقول فى الأحوال الثلاث: العالمين
- بالياء - إلا قومًا من بني كنانة، وقومًا من بني أسد، فإنهم يقولون في الرفع: العالمون.