في "مَا" ثلاثة أقوال:
أحدها: زائدة للتوكيد والتصميم. و(بَعُوضَةً) نصب على البدل من المثل، وقيل: مفعول به، وضرب المثل يتعدى إلى مفعولين لأنه بمعنى جعل.
والثاني: أنه للنكرة، و(بَعُوضَةً) صفة له.
قال الفراء: منصوب بنزع الخافض، وتقديره: ما بين بعوضة فما فوتها.
قال: ومثله: مطرنا ما زبالة فالثعلبية، أي ما بين زبالة إلى الثعلبية.
والثالث: أنه الموصولة، وهذا على قراءة من قرأ (بَعُوضَةٌ فَمَا فَوْقَهَا) .
قيل، في الصغر، وقيل: في الكبر، لأن البعوضة النهاية في الصغر.
(مَاذَا) يأتي على وجهين
[ ١ / ١٢٨ ]
أحدهما: أن يكون اسمًا واحدًا، ويكون محله ها نصبًا بـ (أراد)
والثاني: أن يكون (ما) مبتدأ و"ذا" بمعنى الذي وهو خبره، والجملة بعده
صلته.
(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ) .
استفهام معناه الإنكار والتعجب والتوبيخ، وليس للتعجب، لأنه لا يليق
به - سبحانه -.
(وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا)، أي نُطَفًا، لأن ما فارق الحي ميت.
وقيل: مواتًا، وهو التراب.
وقيل: خاملي الذكر (فَأَحْيَاكُمْ) في الدنيا، (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) عند انقضاء آجالكم.
(ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) في القبور والنشور، وقيل: (يُحْيِيكُمْ) في القبور، (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) للبعث والنشور.
(خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) .
(جَمِيعًا) نصب على الحال من "مَا"، واستدل من يقول بالإباحة بهذه
الآية، وعنه جوابان:
أحدهما: لتعتبروا ببعضه ولتنتفعوا ببعضه على وجه ييينه الشارع، كقوله (حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)، وقوله:
(لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا) .
والثاني: (خَلَقَ لَكُمْ) دليلأ على الوحدانية
(ثُمَّ اسْتَوَى) الكلام فيه يطول.
والغريب فيه: ما قيل: إنه عبارة عن أنه لم يخلق بعد خلق ما في
الأرض إلاَّ السماء، فيمن جعل الأرض قبل السماء، وهو الأظهر، وهذا في
الكلام كثير، وفي كلام العجم أكثر.
(فَسَوَّاهُنَّ)
جمع حملًا على المعنى، لأنه اسم الجنس، وقيل: جمع سماؤه، والسبع نصب على البدل، وقيل أراد منهن فحذف "من" فيكون مفعولا به.
[ ١ / ١٢٩ ]
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ) .
أبو عبيدة: إذ زائدة، وأنشد:
فَإِذَا وَذلِكَ لاَ مَهَاةَ لذِكْرِهِ. . . وَالدَّهْرُ يَعْقُبُ صَالِحًا بِفَسَادِ
وأنكر الزجاج وغيره هذا، وليس في البيت أيضًا ما استدل له، وقال
بعضهمٍ: خلقكم إذ قال، وقيل: واذكر إذ قال، وعلى هذا يكون مفعولًا به، لا ظرفا، ويحتمل أنه ظرف، لقوله: "قالوا".
(لِلْمَلَائِكَةِ) هو جمع ملك (١) .
نضر بن شميل: العرب لا تشتق فعله ولا تصرفه، وهو مما فات علمه.
غيره: مشتق من الألوك، وهو الرسالة، وسميت ألوكًا، لأن صاحبها يألكها
في فيه، من قولهم: الفرس يألِك اللجام. وأصله مائلك ثم قلب فصار
ملاكًا، ثم نقل فصار ملكًا، فلما جمع ردت الهمزة وزيدت الهاء لتأنيث
الجمع، وقيل، للمبالغة، ووزنه على هذا مَفاعِله، وإنما قلب لأن معناه قد
يأتي مقلوبًا في نحو قولك: ألِكْني إلى فلان، أي كن رسولي إليه.
قال:
ألِكني إليها عمرَك اللَّهَ يا فتى. . . بآية ما جاءت إلينا تَهاديا
وأصله ألاكني، فنقلت الحركة في الهمزة إلى اللام.
وقول الهذلي:
ألِكْنِي وَخَيْرُ الرَّسُو. . . لِ أَعْلَمُهُمْ بنواحِي الخَبَرْ
_________________
(١) قال السمين: و«للملائكة» متعلِّقٌ ب «قال» واللامُ للتبليغ. وملائكةٌ جمع مَلَك. واختُلِف في «مَلَك» على ستة أقوال، وذلك أنهم اختلفوا في ميمِه، هل هي أصليةٌ أو زائدةٌ؟ والقائلون بأصالتها اختلفوا، فقال بعضهم: مَلَك ووزنه فَعَل من المُلْك، وشذَّ جمعُه على فعائِلة فالشذوذ في جَمْعِه فقط. وقال بعضهم: بل أصلُهُ مَلأّك، والهمزةُ فيه زائدةٌ كشَمْأَل ثم نُقِلَت حركةُ الهمزة إلى اللام وحُذِفَت الهمزةُ تخفيفًا، والجمعُ جاء على أصلِ الزيادةِ فهذان قَوْلان عند هؤلاء. والقائلون بزيادتها اختلفوا أيضًا، فمنهم مَنْ قال: هو مشتقٌّ من «أَلَك» أي: أرسل ففاؤُه همزةٌ وعينه لام، ويدلُّ عليه قوله: أَبْلِغْ أبا دَخْتَنُوسَ مَأْلُكَةً. . . غيرَ الذي قد يُقال مِلْكَذِبِ وقال آخر: وغلامٌ أَرْسَلَتْه أمُّه. . . بِأَلوكٍ فَبَذَلْنَا ما سَأَلْ وقال آخر: أَبْلِغِ النُّعْمانَ عني مَألُكا. . . أنَّه قد طالَ حَبْسي وانتظاري فأصل مَلَكَ: مَأْلَك، ثم قُلِبت العينُ إلى موضع الفاء، والفاءُ إلى موضع العين فصارَ مَلأَكًا على وزنَ مَعْفَل، ثم نُقِلَتْ حركةُ الهمزةِ إلى اللامِ وحُذِفَتِ الهمزةُ تخفيفًا، فيكونُ وزنُ مَلَكَ: مَعَلًا بحَذْفِ الفاء. ومنهم مَنْ قال: هو مشتقٌّ من لأَك أي أرسل أيضًا، ففاؤُه لامٌ وعينُه همزةٌ ثم نُقِلَت حركةُ الهمزةِ وحُذِفَت كما تقدَّم، ويَدُلُّ على ذلك أنه قد نُطِقَ بهذا الأصلِ قال: فَلَسْتُ لإِنْسِيٍّ ولكنْ لِمَلأَكٍ. . . تَنَزَّلَ من جَوِّ السماء يَصُوبُ ثم جاء الجمعُ على الأصلِ فَرُدَّتِ الهمزةُ على كِلا القَوْلينِ، فوزن ملائِكَة على هذا القول: مفاعِلَة، وعلى القولِ الذي قبلَه: معافِلَة بالقلب. وقيل: هو مشتقٌّ من: لاكَه يَلُوكه أي: أداره يُديره، لأنَّ المَلَكُ يُديرُ الرسالةَ في فيه، فأصل مَلَك: مَلْوَك، فنُقِلَتْ حركةُ الواوِ إلى اللامِ الساكنةِ قبلها، فتحَرَّك حرفُ العلة وانفتح ما قبلَه فَقُلب ألفًا فصارَ ملاكًا مثل مَقَام، ثم حُذِفَت الألفُ تخفيفًا فوزنُه مَفَل بحذفِ العينِ، وأصلُ ملائكة ملاوِكة فقُلبت الواوُ همزةً، ولكنَّ شرطَ قلبِ الواوِ والياءِ همزةً بعد ألفِ مفاعل أن تكونَ زائدةً نحو عجائز ورسائل، على أنه قد جاء ذلك في الأصليّ قليلًا قالوا: مصائِب ومنائِر، قُرئ شاذًا: «معائِش» بالهمز، فهذه خمسةُ أقوال. والسادس: قال النضر بن شميل: «لا اشتقاقَ للملك عند العرب» . والهاء في ملائكة لتأنيث الجَمْع نحو: صَلادِمة. وقيل للمبالغة كعلاَّمة ونسَّابة، وليس بشيء، وقد تُحْذَفُ هذه الهاء شذوذًا، قال الشاعر: أبا خالدٍ صَلَّتْ عليكَ الملائِكُ. اهـ (الدر المصون. ١ / ٢٤٩: ٢٥١)
[ ١ / ١٣٠ ]
يحتمل أن معناه أرسِلْني إليه، ويحتمل، كن رسولي إليه، وقال
بعضهم: مشتق من لأك يلأك، إذا أرسل، ولأك مهمل، أو هو مقلوب ألك، وأصله على هذا مفاعلة.
الأصم: اشتقاقه من المُلْك وهو الشدة والقدرة.
والهمزة فيه زيادة، ووزنه فعايلة، وهم أجسام لطاف أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع، لا يعصون الله ما أمرهم.
ومن ذهب إلى أن الملائكة إنما هي النجوم، فهو كافر باللهِ، راد على رسوله وما جاء من عند الله.
واختلفوا في المخاطبين، فقال بعضهم: هو عام لجميع ملائكة الله، وقال بعضهم: خطاب لمن كانوا سكان الأرض من الملائكة.
(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)
قيل: هي الغبراء، التي عليها مستقر الخلق، وقيل: هي مكة.
(خَلِيفَةً)
أي قوم يخلف بعضهم بعضًا، إذا مات واحد خلفه آخر، وقيل: خَلِيفَةً عنكم ياملائكتي، وقيل: خَلِيفَةً عن الجن، وقيل: خَلِيفَةً عني يأمر وينهى ويحكم ويقضي، ويجري الأنهار ويغرس الأشجار ويحرث ويحصُد.
(قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا)
أي من تفسد ذريته فيها، وقيل: تقديره من فيهم أو منهم من يفسد، لأن آدم - ﵇ - لم يكن بهذه الصفة، ولا رسل الله وأنبياؤه وأولياؤه وصالحو المؤمنين، والاستفهام للتقرير.
وقيل: للاستعلام، وليس للإنكار، وفي معرفتهم ذلك أقوال:
أحدها: أنهم رأوا ذلك في اللوح المحفوظ، وهو مشتمل على الكائنات، وقال بعضهم: قاسوا على الغائب، وكانت الجن بهذه الصفة، وأول من قاس الملائكة، وقيل، عرفوا ذلك من لفظ الخليفة، فإن الخليفة من يقوم مقام الأول، موصوفا بصفته، وقيل: كان خطاب الله إياهم إني جاعل في الأرض خليفة يفسدون فيها ويسفكون الدماء، فحذف ذلك لأن ما بعده يدلّ عليه. وقيل: تقديره:
[ ١ / ١٣١ ]
(أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)، أم نترك التسبيح والتقديس، شكوا في حال أنفسهم، وقيل: تقديره: أتجعل فيها من يفسد كالجن، أم يسبح ويقدس معنا ونحن نسبح ونقدس معهم، وقيل: أذن اللُه لهم في السؤال عن وجه الحكمة فيه.
(ثُمَّ عَرَضَهُمْ) . أي المسمين بالأسماء.
(سُبْحَانَكَ) . مصدر أميت فعله.
والغريب فيه: ما ذكره المفضل: أنه مصدر سبحَ صوتَه إذا رفعه
بالدعاء، وذكر الله، وأنشد:
قَبَحَ الإله وجوهَ تَغْلِبَ كلّما. . . سَبَح الحجيج وكَبّرُوا إهلالاَ
(إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ)
في "أنت" ثلاثةُ أوجه:
أحدها: فصل، و" العليم" خبر "إن".
والثاني: أنه مبتدأ، "العليم " خبره والجملة خبر عن اسم "إن"
والثالث: أنه يقع تبعًا للكاف، ومحله نصب، وجاز ذلك لكونه تبعا، تقول
ضربتك أنت ومررت بك أنت.
(إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ) .
الظاهر فيهما أنهما فعل المتكلم، وأجاز بعضهم أن يكون أعلم بمعنى
عالم، و"غَيْبَ السَّمَاوَاتِ" منصوب به وحذف تنوينه، لأنه لا ينصرف، وما
يجوز أن يكون نصبًا، ويجوز أن يكون خفضا بالإضافة، وهذا خلاف قول
[ ١ / ١٣٢ ]
أبي علي، فإنه قال في (هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ) منصوب بفعل دل عليه
أعلم. وهو يعلم.
(اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) .
قيل: كان انحناء يدل على التواضع، وقيل: كان خرورا على الذقن.
وقل: أمرهم بالخضوع له والانقياد لأمره، وقيل: معناه اقتدوا به في السجود لله، فسجد وسجدوا بسجوده، وقيل: إنهم أدلوا بتسبيحهم وتقديسهم، واعتقدوا أنهم أفضل من غيرهم، فأمرهم بالسجود لآدم ليزول عنهم ما اعتقدوا من الإدلال والتفضيل.
(إِلَّا إِبْلِيسَ)
قيل: الاستثناء متصل، وكان من قبيلٍ من الملائكة يقال لهم الجن، وكان اسمه عزازيل، وكان من ذوي الأجنحة الأربعة.
الكلبي: عن أبي صالح عن ابن عباس، أن الله خلق الأرض وجعل
سكانها الجن، فاقتتل الجن بنو الجان فيما بينهم وعملوا بالمعاصي وسفكوا
الدماء، فبعث الله إبليس ومعه جند من الملائكة من السماء الدنيا، فأجلوا
الجن منها، وألحقوهم بجزائر البحور، وسكن إبليس والملائكة الذين كانوا
[ ١ / ١٣٣ ]
معه في الأرض، وقيل: الاستثناء منقطع، ولم يكن من الملائكة ولا طرفة
عين. هذه عبارة الحسن.
وقال وهب: إن الله خلق الجن في الأرض فعصوا وأفسدوا، فبعث الله عليهم ملائكة فقتلتهم، فاستوهب ملك من الملائكة إبليس من ربه فارتفع به إلى السماء فعبد الله مع الملائكة، وكان أشدهم
عبادة واجتهادًا، وهو معنى قوله: (كَانَ مِنَ الْجِنِّ) ومعنى قوله: (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، وقيل: كان منهم في علم الله. وقيل: (كان) بمعنى صار.
وإبليس: اسم عجمي ولهذا لا ينصرف، وقيل: مشتق من أبلس.
ولم ينصرف، لأنه شابه الأعجمي، حيث لم يستعمل إلا علمًا.
وقيل: تقدير الآية: قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا، فقلنا لإبليس: اسجد لآدم فأبى، ولم يكن في الخطاب الأول.
(اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) .
هي حواء خلقت من الطين الذي خلق منه آدم، وقيل: خلقت من
ضلع آدم، وهي القصيرى في الجنة، وقيل: في الأرض.
وأَنكر بعض أهل الكلام هذا، وقال: لا يجوز أن يكون النبي ناقصًا. والجواب: إن هذا النقصان كالختان والمرض والعمى والموت، فلا يقدح في النبوة.
(الْجَنَّةَ)
هي جنة الخلد التي وعد المتقون، وقيل: كانت جنة في السماء، سوى جنته
الموعودة، وقيل: كانت جنة في الأرض.
والأول: مذهب السنة والجماعة.
(وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا)
ذكر في هذه السورة بالواو وذكر في الأعراف
[ ١ / ١٣٤ ]
بالفاء، لأن الفاء للتعقيب. معنى التعقيب أن يقع الثاني بعد الأول
متصلًا به.
ولقوله: (اسْكُنْ) معنيان:
أحدهما: اتخذاها مسكنا من قولهم:
هذه الدار لك سكنى.
والثاني: لازمها. والأول يحتمل لفظ الفاء، لأن له نهاية وتعقيبًا، فكان ما في الأعراف أليق به، لأن ما قبله قوله: (اخرجْ منها)
فليست الجنة لك سكنى، واتخذاها سكنى فكلا عقيب اتخاذكماها سكنى
من حيث شئتما، ولم يحتمل المعنى الآخر الفاء، لأنه لا غاية له، فعطف
بالواو على معنى الجمع، أي اجمعا بين لزومكماها والأكل من حيث شئتما.
وقيل: ما في البقرة خطاب قبل الدخول، وما في الأعراف بعد الدخول.
وزاد في البقرة: (رغدا) لأنه ذكر بلفظ التعظيم، فزاد في الكرامة والنعيم.
وهو قوله: (قلنا)، وفي الأعراف: (قال) .
(وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ)
قيل: هي الحنطة، وقيل: العنب، وقيل: التين، وقيل: النخلة، وقيل: الكافور، وقيل: شجرة العلم. أي شجرة من أكل منها علم الخير والشر، وقيل: شجرة الخلد التي تأكل منها الملائكة، وقيل: شجرة من أكل منها أحدث، وقيل: شجرة الحنظل.
وقال ابن حبيب: إن بعض الأغبياء قال: إن الشجرة محمد، وأكل آدم منها إعلان سِر كان استكتم آدم فعصى، فهذا تَلَعُّب بالدِين وتمويهٌ، وقائل هذه المقالة غير مصدق بدين ولا نبوة.
وإنما مراده تشكيك الناس والتلبيس عليهم (١) .
(مُسْتَقَرٌّ) موضع قرار، وقيل: موضع قورهم.
و(مَتَاعٌ) معاش "إلى حين " إلى وقت الموت، وقيل: إلى القيامة.
_________________
(١) جميع هذه الأقوال لا دليل عليها، والأولى تفويض علمها إلى الله تعالى، ولو كان في تعيين الشجرة فائدة، لصرح القرآن باسمها، والغيب يقتصر فيه على ما أخبر صاحب الغيب - ﷿ - ومن ثَمَّ وجب التوقف في تعيين هذه الأمور وأمثالها. والله أعلم.
[ ١ / ١٣٥ ]
(قُلْنَا اهْبِطُوا) .
كرر الأمر بالهبوط، لأن الأول من الجنة، والثاني من السماء، وقيل:
للتأكيد، ويحتمل أن التقدير، ومتاع إلى حين فإما يأتينكم، لكن لما قُبِلَ
بقوله: (فَتَلَقَّى آدَمُ) الآية، أعاد فقال: (قُلْنَا اهْبِطُوا) .
(وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) .
فحذف الأول، لأن الثاني يدل عليه، وقيل: تقديره: فَارْهَبُونِ، فحذف
الفعل الأول، وجعل الضمير المتصل منفصلا.
(أَوَّلَ) وزنه أفعل، وفاؤه وعينه واوان، ولا نظير له إلَّا كوكب وأيَّل وددن. وهذا مذهب سيبويه. عند الكوفيين: هو أفعل من وال
قلبت الهمزة واوًا، ثم أدغمت الواو فيها، وقيل: أفعل من آل يؤول.
وتقديره: أول كافر به. والهاء تعود للقرآن، وقيل: للتوراة، وقيل:
لمحمد - ﷺ -، وقيل: الأول زيادة، لأن الكفر منهي عنه أولًا وآخرًا، وتقديره: ولا تكونوا كافرين. ومثله (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)، (فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) .
(وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا)
إنْ قيل: الباء تدخل الثمن، كقوله: (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ) فَلم دخل آياتي؟
قيل له: قد سبق أن الباء في باب الاشتراء تدخل المبذول، ولما نهاهم عن بذل الآيات، دخلها الباء، والمراد بالثمن في الآية "ذا ثمن".
[ ١ / ١٣٦ ]