وقال في هذه السورة أيضًا: (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) .
فجعل مكان (الَّذِي) "مَا" وزاد "مِن"، لأن العلم في الأول علم بالكمال ليس
وراءه علم، لأن معناه بعد الذي جاءك من العلم بالله وبصفاته، وبأن (الهدى
هدى الله): ومعناه بأن دين الله الإسلام، وأن القرآن كلام الله، وكان لفظ (الَّذِي) أليق به من "مَا"، لأنه في التعريف أبلغ، وفي الوصف أقعد، بيان ذلك أن الذي تُعَرِّفُه صلتُه ولا يَتنَكَّرُ قط ويتقدمه أسماء الإشارة نحو قوله: (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ) (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ)، فيتكنَّفُهُ بيانان.
الإشارة والصلة ويلزمه الألف واللام، ويثنى ويجمع، و"مَا" ليس فيه شيء
من ذلك، لأنه يتنكر مرة ويتعرف أخرى، ولا يقع وصفًا لأسماء الِإشارة،
[ ١ / ١٧٢ ]
ولا يدخله الألف واللام، ولا يُثَنَّى ولا يجمع، وخص الثاني ب "مَا"، لأن المعنى بعد ما جاءك من العلم أن قبلة الله هي الكعبة، وذلك قليل من كثير من العلم، وزِيدَ معه "مِن"، التي لابتداء الغاية، لأن تقديره من الوقت الذي
حال العلم فيه بالقبلة، لأن القبلة الأولى نسخت بهذه الآيات، وليس الأول
مؤقتا بوقت، وختم الآية الأولى بغليظ في الجواب، فقال: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ) الآية، لعظم شأن الأول، وختم
الثانية بقوله: (إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ): لَما كان الثاني منحطًا عن الأول.
وقال في سورة الرعد: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ)، فعبر
بلفظ "مَا" ولم يزد "مِن" لأن (الْعِلْمِ) ها هنا هو الحكم العربي، أي القرآن.
وكان بعضًا من الأول، ولم يزد "مِن" لأنه غير مؤقت، وختم أيضًا بغليظ من
الخطاب، فقال: (مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ)
إن اتبعتَ أهواءهم، لأنه وإن كان بعض الأول، فهو مشتمل على الكل - والله أعلم -.