في "مَا" قولان: أحدهما: أنه الموصول.
والثاني أنه للنفي، وكلا القولين عن ابن عباس، ومن جعله الموصول.
ففيه قولان: أحدهما: أنه لما كثر السحر فيما بين الناس والتبس أمر الأنبياء
بعث الله ملكين يبينان ماهية السحر ومِمّ يكون وكيف يكون
والوجوه التي فيها يتوصل السحرة إلى الاحتيال على الجهال لستخف الناس
بالسحر ويعرفوا حقيقته، وكانا لا يعلمان أحدًا ولا يكشفان وجوه الاحتيال فيه حتى يبذلا له النصيحة، ويقولا له: إنما نحن فتنة فلا تكفر ولا تستمعه
لتستعمله فيما نُيهتَ عنه، ولكن إذا وقفت عليه تحرز من أن ينفذ لساحر
[ ١ / ١٦٢ ]
عليك تمويه، واعلم أنهم مبطلون.
والثاني: امتحن الناس يومئذ بالمَلكين
وجعل المحنة في الكفر والإيمان أن تقبل القابل تعلم السحر، فيكفر بتعلمه
ويؤمن بترك العلم، ولله أن يمتحن عباده بما يربد.
والعجيب: إنهما ملكان كلفا تكليف بني آدم، وركب فيهما
الشهوة، حين قالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا)، وأنزلا من السماء
ليحكما بين الناس، فجاءتهما زهرة، واسمها بالنبطية ناهيد، وبالفارسية
بيدخت، تخاصم زوجها، فافتتنا بها وشربا الخمر وزنيا بها وقَتَلا رجلًا اطلع
على فعلهما، وعلَّما زهرة اسم الله الأعظم، فصعدت إلى السماء ومسخت
كوكبًا.
وزاد الربيع بن أنس، وأخرجت لهما صنمًا فسجدا له، ثم انطلقا
إلى رجل صالح فقالا له: اشفع لنا، وذكر بعضهم أنه كان إدريس - عليه
السلام - فدعا لهما، فَخُيِّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فهما معلقان في بئر منكوسين يعذبان بسياط من نار، ومن ثم
استغفرت الملائكة لبني آدم من قوله: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا):
وهما يعلمان الناس السحر، وإذا أتاهما إنسان يريد السحر وعظاه وقالا له لا
تكفر، فإنْ أبى، قالا له ائت هذا الرماد وَبُلْ فيه، فإذا بال خرج منه نور
يصعد إلى السماء، وهو إيمانه، ويأتيه دخان يدخل مسامعه، وإذا أخبرهما
بذلك علَّماه.
وروي عن عائشة: من دنا منهما سمع كلامهما ولم يرهما.
وعن الكلبي: أنهم كانوا ثلاثة عزار وعزايا وعزابيل، فاستقال عزابيل ربه.
فأقاله، وروى عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لعن الله سهيلا فإنه كان
[ ١ / ١٦٣ ]
عشارًا باليمن، ولعن الله زهرة فإنها فتنت الملكين" (١)، وروى عن ابن
عمر أنه كان إذا رأى زهرة قال: لا مرحبا بها ولا أهلا، إنها كانت بغيًا
من بني إسرائيل، لقي الملكان منها ما لقيا، وهذا من العجيب، لأنه غير
مرضي عند كثير من المفسرين، ولم بذكره كثير منهم.
ومحل "مَا" نصب عطفًا على السحر، وقيل: عطف على (مَا تَتْلُو)
وقل: محله جر بالعطف على ملك سليمان، ومن جعل "مَا" اللنفي.
قال: هذا رد على من زعم من سحرة اليهود، أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل، فيكون جبريل وميكال هاروت وماروت، والمحل جر بالبدل من الملكين، وقيل: أما داود وسليمان، واسمها هَارُوت وَمَارُوت بالعبرانية، وقيل: هما قبيلان من الشياطن، والمحل نصب بالبدل من (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ)، وقيل: بدل من الناس.
وقال الحسن. هما علمان.
(بِبَابِلَ) قيل: هي بابل العراق، حيث تبلبلت الألسن، وقيل:
بابل المغرب، وقيل: جبل نهاوند، وقيل: وهدة في الأرض.
وقوله: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ)
من جعل "مَا" إثباتًا فهو من كلام الملكين، ومن جعل "مَا" نفيا، قال:
إنما هذا كقول الخليع الغاوي أنا في ضلال فلا ترد ما أنا فيه.
(فيتعلمون)
قيل عطف على المعنى، أي فيأبون عليهما وُيلِحَّان
_________________
(١) قال في مجمع الزوائد ما نصه: عن ابن عمر أنه كَانَ إذا رأى سهيلًا قال لعن الله سهيلًا سمعت رسول الله ﷺ يقول كَانَ عشارًا من عشاري اليمن يظلمهم فمسخه الله فجعله حَيْثُ ترون. وَفِي رواية أن رسول الله ﷺ ذكر سهيلًا فقال كَانَ عشارًا ظلومًا فمسخه الله شهابًا. رواهما البزار والطبراني فِي الكبير والأوسط ولفظه إني سمعت رسول الله ﷺ يقول كَانَ عشارًا يظلمهم وينصبهم أموالهم فمسخه الله شهابًا فجعله حَيْثُ ترون. وضعفه البزار لأن فِي رواته إبراهيم بن يزيد الجوزي وهو متروك وَفِي الأخرى ميسر بن عبيد وهو متروك أيضًا. اهـ (مجمع الزوائد. ١ / ١٢١) .
[ ١ / ١٦٤ ]
فيتعلمون، وقيل: عطف على يعلمان، وتقديره، فلا تكفر فيعلمان فيتعلمون
وقيل: عطف على يعلمون، وأنكر الزجاج، وقيل: استئناف.
قوله: (مِنْهُمَا) أي من هاروت وماروت، وقيل: من السحر والكفر.
ويحتمل من السحر وما أنزل فيمن جعله إثباتًا.
والغريب: قول ابن جرير: إن من جعل "مَا" جحدًا، والملكين
جبريل وميكائيل، جعل "مِن" في قوله: "منهما" بمعنى البدل كالمكان
لقول الشاعر.
فَلَيْتَ لنا من ماءِ زَمَزَم شَرْبَةً. . . مبَرّدَةً باتت على طَهيان
فيكون التقدير، فيتعلمون مِن مكان علمائهم.