قالت اليهود: إن محمدًا - ﷺ - في حيرة من أمره، يأمر أصحابه اليوم شيئا، ويرجع عنه غدا، ما هذا القرآن إلا كلام محمد - ﷺ - فأنزل الله هذه
[ ١ / ١٦٧ ]
الآية، والنسخ: رفع الشيء وقد كان يلزم العمل به إلى مدة ببدل منه.
من قول العرب: نسخت الشمس الظل، أي أزالته وقامت مقامه، وإجماع
المسلمين على أن في القرآن ناسخًا ومسوخا.
والجمهور على أنه يأتي على ثلاثة أوجه.
أحدهما: ما نسخ حكمه وبقي لفظه، وهو الكثير في القرآن.
كقوله: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) وأشباهه، فإنها منسوخة بقوله:
(فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)، و(قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، وهذه
الآية تسمى آية السيف.
والثاني: ما نسخ لفظه، وبقي حكمه، وذلك ما روي، أن ابن عباس قال: خطبنا عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: كنا نقرأ: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة بما قضيا من اللذة، نكالا من الله، والله عزيز حكيم، ولولا أني أكره أن يقال: زاد عمر في القرآن لزدتها.
والثالث: ما نسخ لفظه وحكمه، وذلك ما روي عن أبي بكر الصديق - ﵁ - أنه قال: كنا نقرأ: "لا ترغبوا عن آبائكم إنه كفر".
والغريب: ما نسخ لفظه ولم يكن له حكم، وذلك، كما روي عن
أنس أنه قال: كانت تُقْرَأُ مرة: "أخبروا قومنا أنا لقينا ربنا فأرضانا ورضي
عنا" وروى أيضًا: كنا نقرأ في القرآن: لو أن لابن آدم واديين من ذهب
لابتغى إليهما ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب (١) .
وكذلك الخامس: ما نسخ لفظه وبقي بعض حكمه، وذلك ما روي
عن عائشة - ﵂، قالت: كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات
_________________
(١) شتان بين هذه التعبيرات وبين تعبير القرآن الكريم.
[ ١ / ١٦٨ ]
معلومات فنسخن إلا خمسًا معلومات يحرمن، قالت: وتوفي رسول
الله - ﷺ - وهو ما يقرأ في القرآن.
ومن الغريب جدًا - وهو السادس -: قول من قال: كل استثناء في
القرآن فهو الناسخ لما قبله.
والعجيب: قول من قال: ليس في القرآن ناسخ ولا منسوخ، ثم
أوّل لكل منسوخ وجهًا محتملًا، وهذا قريب من قول اليهود، حيث قالوا:
النسخ بداء، والبَدَاءُ على الله ليس بجائز.
ومن العجيب أيضًا: قول من أجاز أن يدخل النسخ الخبر، وهذا يؤدي
إلى نسبة الكذب إلى الله تعالى، تعالى الله عن ذلك، بل النسخ يدخل الأمر
والنهي، وما بمعناهما.
وأعجب من هذين قول من قال: إن ذلك إلى الإمام ينسخ ما يرى
المصلحة في نسخه، ويثبت ما يرى المصلحة في إثباته.
وهذه الأقوال الثلاثة مرغوب عنها مردودة على قائليها.