وهي] مختصة به، لأنه تجرد لعمل الَجر، فجعل من عمله عليه علامة.
وكسرةُ السين، وهي على لغة من قال: سِم - بكسر السين -، وأنشد:
بِسمَ الذي في كلِّ سورَة: سِمُه.
وكسرةُ الميم، وهي إنجرارهُ بالباء، فسكن السين، لتوالي
الكسرات، وهو مما رفض من كلامهم، حتى لم يأت في الأصول كسرتان
متواليتان، إلا في قولهم " إبِل " و" إطِل " و" امراةُ بلز " أي عجوز، و"أتان"
[ ١ / ٨٩ ]
"إبِد"، أي تلد كل عام.
وقال بعضهمْ بِسم - بضم بين كسرتين -.
والضم فيه لغة، وأنشد البيت بالوجهين، ثم سكن السين، إذ ليس في
كلامهم خروج من كسر إلى ضم بناءً لازما. وهذان القولان أشد موافقة
للإمام، لأنه فيه بغير ألف.
وفي الاسم لغات، اِسم، واُسْمُ - بالضم -، وسِم - بالكسر -.
وسُم - بالضم -، وسمى مثل هدى، واشتقاقه من السمو، لأن الاسم
يسمو مسماه، ويعلوه، وأصله سِمْو كقِنْو وحِنْو، نُقل الإعراب من اللام
إلى العين، وحذِفَ اللام، ونقِل سكون العين إلى الفاء على غير قياس.
فتعذر الابتداء به، لسكونه، فَزِيدَ في أولهِ ألف الوصل تَوصلًا إلى النطق به.
وليكون جبرا له من حذف لامه، وإذا جمع رُدَّ إلى الأصل، وكذلك في
التصغير، تقول في الجمع: أسماء كأقناء وأحناء، وفي التصغير، سُمي كقُني
وحني.
وذهب الكوفيون إلى: أن اشتقاقه من السِمة، وأصله وسم،
[ ١ / ٩٠ ]
والاسم سمة للمسمى وعلامة له، ثُم حذِف فاؤه وزيدَ في أَولهِ ألف الوصل.
وذهب بعض منهم إلى: أن الواو قلِب همزة كإعاء وإشاح، ثم كثر
استعماله، فجعل ألف وصل، والجمع والتصغير، والفعل سَمي تسمية.
وعدم النظير يدل على بطلان قولهم.
وعند الجمهور: أصل بسم باسْمِ، كما في قوله: (اقْرَأ باسْم
ربكَ " و" فَسح بِاسْم رَبَك"، و" بئس الاسْم الفسُوق)
لكنًّ الألفَ حذِفَ من الخطَ لعلتين، إحداهمَا: كونه ألفَ وصل.
والثانيةْ كثرة الاستعمال، ولم تُوجدْ إحدى العلتين في باسم ربك و" بئس
الاسم " فلم تحذف. وهاتان العلتان غير كافيتين، لأنهما وجدتا في ألف الله
من "بسم الله " ولم تحذف، وإنما يتم إذا أضيفت إليهما علة أخرى. -
فقلت: ولاتصال الباء بـ " اسم " وامتزاجه به، بحيث لا يمكن فصله
عنه، بخلاف اتصال بسم بالله، فإنه يمكن فصله عنه والوقف عليه في
الإِملاء والاستملاء.
ووزن اسم عند البصريين على اللفظ إفعٌ، ووزن "سِم " فعٌ "
ووزنه عند الكوفيين "إعلٌ " أو " فعل "، على من جعل الهمزة بدلًا من
[ ١ / ٩١ ]
الواو. ومحل "بسم الله " من الإعراب رفع عند البصريين، وتقديره:
ابتدائي بسم الله، فحذف المبتدأ، وعند الكوفيين نصب بإضمار فعل هو خبر
أو أمر، نحو: أبدأُ بسم الله أو أبدأ بسم الله.
العجيب: " بسم الله " قسم في أول كل سورة.
وأجاز الأخفش والكسائي حذف الألف من (اقْرأ بِاسْمِ
رَبًكَ، و" فسبح باسْم رَبك " و(بئس الاسْمُ) .
وخالفا في ذلك جميع القراء - والله أعلَم -.
ومن عجيب ما ذكر فيه: قول سليمان بن يسار: الباء: بريء من
الأولاد، والسين: سميع الأصوات، والميم: مجيب الدعوات. وقول سهل
بن عبد الله التستري: الباء: بهاء الله، والسين: ثناء الله، والميم:
[ ١ / ٩٢ ]
مجده. وقول أبي بكر الوراق: الباء من بسم الله على ستة أوجه: بارىء
خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه هو الله الخالق البارىء، ثم أخذ يعد
الوجوه، قال: والسين على خمسة أوجه:
والميم على اثني عشر وجهًا. وعد
الوجوه. وهذه وأمثالها يجب الاستغفار منها، لأن هذا ربما يسوغ في المقطعة
من الحروف، وأما ما ألفت وجعل اسما، وأفعالًا وأدوات فلا يسوغ فيها
هذا بوجه من الوجوه.
وحكى الفراء عن الكسائي: أن العرب تقول: اسم - بكسر
الألف -، وأسم - بضمها -، فإذا طرحوا الألف، قال الذين لغتهم كسر
الألف: سِم - بالكسر -، وقال الذين لغتهم ضم الألف: سُم - بالضم -، وقال بعضهم: هو أمر من سما يسمو، جعل اسما. وذهب أبو عبيدة إلى: أن الاسم زيادة، زِيد للفرق بين اليَمينِ والتيَمن. وأنشد:
إلى الحوْلِ ثُمَّ اسم السلامِ عَلَيْكمَا. . . وَمَنْ يبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَد اعْتَذَرْ
أي ثم السلام عليكم. وقال بعضهم: السلام في البيت هو الله، فلا
يكون الاسم زيادة.
[ ١ / ٩٣ ]
ومن غريب ما ذُكرَ في لفظ الله عز اسمه: أنَّ أصله لاها
بالسريانية، حذف الألف من آخره وزيد الألف واللام في أوله. وقريب منه
عند النحاة قول من قال: إلى أنه اسم علم غير مشتق.
ومن عجيب ما ذكر فيه، ما حكاه أبو القاسم بن حبيب في تفسيره
عن جماعة: أن أصل الله، هاء الكنابة، وذلك أنَّهم أشاروا إليه بما وضع
في نفوسهم من دلائل الفطرة، إذْ لم يعلموا له اسمًا موضوعًا، ثم أدخلوا
على الكناية لام الملك، فصار له يعنون له الخلق والأمر، ثم مدّوا بها
أصواتهم تعظيمًا وتفخيمًا، فقالوا: لاه، ثم وصلوا بلام المعرفة فصار الله.
واعتماد المحققين على قول سيبويه: أحدهما: أنَّ أصله إِلَه.
والثاني: أن أصله ل ي هـ "لَيه" وقوله - سبحانه -: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) يشهد للقول الأول، وقراءة من قرأ - وإن كانت شاذة - تشهد للقول الثاني، وهي: "في السماء لاه وفي الأرض لاه ". وما حكاه أبو زيد: الحمد لاه رب العالمين، يحتمل الوجهين، لأنّ أصله لله
_________________
(١) قال السمين: و«الله» في «بسم الله» مضافٌ إليه، وهل العاملُ في المضاف إليه المضافُ أو حرفُ الجرِّ المقدَّرِ أو معنى الإِضافة؟ ثلاثةُ أقوال خَيْرُها أوسطُها. وهو عَلَمٌ على المعبودِ بحق، لاَ يُطلق على غيره، ولَم يَجْسُرْ أحدٌ من المخلوقين أن يَتَسَّمى به، وكذلك الإِله قبل النقل والإِدغامِ لا يُطْلق إلا على المعبودِ بحقٍّ. قال الزمخشري: «كأنه صار عَلَمًا بالغلَبة»، وأمّا «إله» المجردُ من الألف واللام فيُطلق على المعبود بحقٍّ وعلى غيره، قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، ﴿[أَرَأَيْتَ] مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣] . واختلف الناسُ هل هو مُرْتَجَلٌ أو مشتق؟، والصوابُ الأولُ، وهو أعرفُ المعارف. يُحْكى أن سِيبوِيه رُئيَ في المنام فقيل [له]: ما فعلَ اللهُ بك؟ فقال: خيرًا كثيرًا، لجَعْلِي اسمَه أعرفَ المعارفِ. ثم القائلونَ باشتقاقِه اختلفوا اختلافًا كثيرًا، فمنهم مَنْ قال: هو مشتقٌّ من لاهَ يليه أي ارتفع، ومنه قيل للشمس: إلاَهة بكسر الهمزة وفتحها لارتفاعها، وقيل: لاتخاذِهِم إياها معبودًا، وعلى هذا قيل: «لَهْيَ أبوك» يريدونَ: للهِ أبوك، فَقَلَب العينَ إلى موضع اللام. وخَفَّفه فَحَذَفَ الألفَ واللامَ وحَذَفَ حرفَ الجرِ. وأَبْعد بعضُهم فَجَعَلَ مِنْ ذلك قولَ الشاعر: ٢٤ ألا ياسَنا بَرْقٍ على قُلَلِ الحِمى. . . لَهِنَّكَ من برقٍ عليَّ كريمُ قال: الأصلُ: لله إنك كريمٌ عليَّ، فَحَذَفَ حرف الجر وحرف التعريف والألفَ التي قبل الهاء من الجلالة، وسَكَّن الهاءَ إجراءً للوصل مُجْرى الوقف، فصار اللفظ: لَهْ، ثم أَلقى حركة همزة «إنَّ» على الهاء فبقي: لَهِنَّك كما ترى، وهذا سماجَةٌ من قائلِه. وفي البيت قولان أيسرُ من هذا. ومنهمَ مَنْ قال: «هو مشتقٌّ من لاه يَلُوه لِياهًا. أي احتجَبَ، فالألف على هذين القولين أصليةٌ، فحينئذ أصلُ الكلمة لاَهَ، ثم دخل عليه حرفُ التعريف فصار اللاه، ثم أُدْغِمت لام التعريف في اللام بعدها لاجتماعِ شروطِ الإِدغام، وفُخِّمت لامُه. ووزنُه على القولين المتقدِّمين إمَّا: فَعَل أو فَعِل بفتح العين أو كسرِها، وعلى كل تقدير: فتحرَّك حرفُ العلة وانفتحَ ما قبلَه فقُلِب ألفًا، وكان الأصلَ: لَيَهًا أو لَيِهًا أو لَوَهًا أو لَوِهًا. ومنهم مَنْ جَعَلَه مشتقًا من أَلَه، وأَلَه لفظٌ مشترك بين معانٍ وهي: العبادةُ والسكون والتحيُّر والفزع، فمعنى «إله» أنَّ خَلْقَه يعبدونه ويسكنون إليه ويتحيَّرون فيه ويفزعون إليه. ومنه قولُ رؤبة: ٢٥ لِلَّهِ دَرُّ الغانِياتِ المُدَّهِ. . . سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِنْ تألُّهي أي: من عبادتِه، ومنه ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] أي عبادتك. وإلى معنى التحيُّر أشار أمير المؤمنين بقوله: «كَلَّ دون صِفاته تحبيرُ الصفات وضَلَّ هناك تصاريفُ اللغات» وذلك أن العبد إذا تفكَّر في صفاته تحيَّر، ولهذا/ رُوي: «تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في الله» وعلى هذا فالهمزةُ أصلية والألفُ قبل الهاء زائدةٌ، فأصلُ الجلالة الكريمة: الإِله، كقولِ الشاعر: ٢٦ معاذَ الإِله أن تكونَ كظبيةٍ. . . ولا دُمْيَةٍ ولا عَقِيْلَةٍ رَبْرَبِ ثم حُذِفت الهمزةُ لكثرةِ الاستعمال كما حُذفت في ناس، والأصل أُناس كقوله: ٢٧ إنَّ المَنايا يَطَّلِعْ. . . نَ على الأُناس الآمِنينا فالتقى حرفُ التعريفِ مع اللامِ فأُدْغِم فيها وفُخِّم. أو نقول: إن الهمزة من الإِله حُذِفت للنقل، بمعنى أنَّا نَقَلْنا حَرَكتَها إلى لام التعريف وحَذَفْناها بعد نقل حركتها كما هو المعروف في النقل، ثم أُدغم لامُ التعريف كما تقدَّم، إلا أنَّ النقلَ هنا لازِمٌ لكثرةِ الاستعمال. ومنهم مَنْ قال: هو مشتقٌ من وَلِهَ لكونِ كلِّ مخلوقٍ والِهًا نحوَه، وعلى ذلك قال بعض الحكماء: «الله محبوب للأشياءِ كلها، وعلى ذلك دلَّ قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، فأصله: وِلاه ثم أُبدلت الواو همزةً كما أُبدلت في إشاح وإعاء، والأصلُ: وِشاح ووِعاء، فصار الفظُ به: إلاهًا، ثم فُعِل به ما تقدَّم مِنْ حَذْفِ همزتِه والإِدغام، ويُعْزَى هذا القول للخليل، فعلى هذين القولين وزنُ إلاه: فِعال، وهو بمعنى مَفْعول أي: مَعْبود أو متحيَّرٌ فيه كالكِتاب بمعنى مكتوب. وُردَّ قولُ الخليل بوجهين، أحدهما: أنه لو كانت الهمزةُ بدلًا من واو لجاز النطق بالأصلِ، ولم يَقُلْه أحد، ويقولون: إشاح ووشاح وإعاء ووعاء. والثاني: أنه لو كان كذلك لجُمع على أَوْلِهة كأَوْعِية وأَوشِحَة فتُرَدُّ الهمزة إلى أَصلها، ولم يُجْمع» إله «إلا على آلهة. وللخليل أن ينفصِلَ عن هذين الاعتراضين بأنَّ البدلَ لزِم في هذا الاسمِ لأنه اختصَّ بأحكامٍ لم يَشْرَكَهْ فيها غيرُه، كما ستقف عليه، ثم جاء الجمع على التزامِ البدل. وأمَّا الألفُ واللامُ فيترتَّب الكلامُ فيها على كونِه مشتقًا أو غيرَ مشتقٍّ، فإنْ قيل بالأول كانَتْ في الأصل مُعَرِّفةً، وإنْ قيل بالثاني كانت زائدةً. وقد شَذَّ حذفُ الألفِ واللامِ من الجلالة في قولهم» لاهِ أبوك «، والأصل: للهِ أبوك كما تقدم، قالوا: وحُذِفَت الألفُ التي قبل الهاء خَطًَّا لئلا يُشْبَّهَ بخط» اللات «اسم الصنم، لأن بعضهم يقلبُ هذه التاء في الوقف هاءً فيكتُبها هاءً تَبَعًَا للوقف فمِنْ ثمَّ جاء الاشتباه. وقيل: لئلا يُشَبَّه بخط «اللاه» اسمَ فاعل من لها يلهو، وهذا إنما يَتِمُّ على لغة مَنْ يحذف ياءَ المنقوص المعرَّف وقفًا لأن الخطَّ يتبعه، وأمَّا مَنْ يُثْبِتُها وقفًا فيثبتها خطًَّا فلا لَبْس حينئذ. وقيل: حَذْفُ الألف لغةٌ قليلة جاء الخط عليها، والتُزمَ ذلك لكثرة استعماله، قال الشاعر: ٢٨ أقبلَ سَيْلٌ كان من أمر اللهْ. . . يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّة المُغِلَّهْ وحكمُ لامِه التفخيمُ تعظيمًا ما لم يتقدَّمْه كسرٌ فترقّقُ، وإن كان أبو القاسم الزمخشري قد أطلق التفخيمَ، ولكنه يريد ما قلته. ونقل أبو البقاء أنَّ منهمِ مَنْ يُرَقِّقُها على كل حال. وهذا ليس بشيءٍ لأن العربَ على خِلافِه كابرًا عن كابرٍ كما ذكره الزمخشري. ونقل أهلُ القراءة خلافًا فيما إذا تقدَّمَه فتحةٌ ممالةٌ أي قريبة من الكسرة: فمنهم مَنْ يُرَقِّقها، ومنهم مَنْ يُفَخِّمُها، وذلك كقراءة السوسي في أحدِ وَجْهَيْه: «حتى نَرَى اللهَ جَهْرةً» . ونقل السهيلي وابن العربي فيه قولًا غريبًا وهو أنَّ الألف واللام فيه أصليةٌ غيرُ زائدةٍ، واعتذرا عن وَصْلِ الهمزةِ بكثرة الاستعمال، كما يقول الخليل في همزةِ التعريف، وقد رُدَّ قولهُما بأنه كان ينبغي أن يُنَوَّن لفظُ الجَلالةِ لأنَّ وزنَه حينئذ فَعَّال نحو: لآَّل وسَآَّل، وليس فيه ما يمنعه من التنوينِ فدلَّ على أنَّ أل فيه زائدةٌ على ماهيةِ الكلمةِ. ومن غريبِ ما نُقِل فيه أيضًا أنه ليس بعربي بل هو مُعَرَّب، وهو سُريانيُّ الوَضْعِ وأصله: «لاها» فَعَرَّبَتْه العربُ فقالوا: الله، واستدلُّوا على ذلك بقول الشاعر: ٢٩ كحَلْفَةٍ من أبي رياحِ. . . يَسْمَعُها لاهُهُ الكُبارُ فجاء به على الأصلِ قبل التعريبِ، ونقل ذلك أبو زيد البلخي. [ومِنْ غريب ما نُقل فيه أيضًا أنَّ الأصل فيه الهاءُ التي هي كنايةٌ عن الغائب] قالوا: وذلك أنهم أثبتوه موجودًا في نظر عقولِهم فأشاروا إليه بالضمير، ثم زِيدَتْ فيه لامُ المِلْك، إذ قد عَلِموا أنه خالقُ الأشياء ومالِكُها فصار اللفظ: «لَهُ» ثم زِيدت فيه الألف واللام تعظيمًا وتفخيمًا، وهذا لا يُشبه كلامَ أهل اللغة ولا النَحْويين، وإنما يشبه كلامَ بعض المتصوفة. ومن غريب ما نُقل فيه أيضًا أنه صفةٌ وليس باسم، واعتلَّ هذا الذاهب إلى ذلك أنَّ الاسم يُعَرِّفَ المُسَمَّى والله تعالى لا يُدْرَكُ حِسًَّا ولا بديهةً فلا يُعَرِّفُه اسمه، إنما تُعَرِّفه صفاتُه، ولأن العَلَم قائمٌ مقامَ الإِشارة، واللهُ تعالى ممتنعٌ ذلك في حقه. وقد رَدَّ الزمخشري هذا القولَ بما معناه أنك تصفه ولا تَصِفُ به، فتقول: إله عظيم واحد، كما تقول: شيءٌ عظيم ورجلٌ كريم، ولا تقول: شيء إله، كما لا تقول: شيء رجل، ولو كان صفةً لوقع صفةً لغيره لا موصوفًا، وأيضًا فإنَّ صفاتِه الحسنى لا بُدَّ لها من موصوف تَجْري عليه، فلو جَعَلْتَها كلَّها صفاتٍ، بقيت غيرَ جاريةٍ على اسمٍ موصوفٍ بها، وليس فيما عدا الجلالة خلافٌ في كونِه صفةً فَتَعَيَّن أن تكونَ الجلالةُ اسمًا لا صفةً. والقولُ في هذا الاسم الكريمِ يحتمل الإِطالةَ أكثرَ ممَّا ذكرْتُ لك، إنما اختصرْتُ ذلك خوفَ السآمة للناظر في هَذا الكتاب. اهـ (الدر المصون / للسمين الحلبي. ١ / ٢٣ - ٢٩)
[ ١ / ٩٤ ]
حذف الجار اكتفاءً بدليل عمله عليه، وهو الجر، وحذف لام التعريف.
لأنَّ حذف التنوين يدل عليه، وبقى لاه، يجوز أنْ يكون من القول الأول بعد حذف الهمزة، ويجوز أنْ يكون من الثاني.
ويختص اسم الله تعالى بأشياء لا يشاركه فيها غيره من أسماء الله
سبحانه، ولا من سائر الأسماء، أحدها: أنْ ينادى بـ " يا "، والاسم إذا كان فيه الألف واللام ينادى بيا " أيها ". والثاني: قطع أَلِفه في باب النداء أيضًا، نحو: يا ألله بقطع الألف.
والثالث: زيادة الميم المشددة في آخر - اللهم -
عوضًا عن ياء النداء، وقد تحذف الألف واللام مع الميم، قال الشاعر:
لا هُمَّ إنَّ عامرَ بن الجَهمَ
والرابع: إدخال التاء عليه في القسم، نحو: تالله، ولا يجوز
تالرحمن ولا غيره.
الخامس: أنْ يبقى بعد حذف الجار مجرورًا، وذلك
في القسم أيضًا تقول: الله ما فعلت كذا. والسادس: تفخيم اللام إذا
انفتح ما قبله أو انضم، نحو: إن الله، ويضرب الله، ومن القراء من يفخمه
من الكسرة أيضًا، وفد ذكرت هذا مشروحا في شرح كتاب الغاية"، ولا
يجوز تفخحم اللام في شيء سوى الله إلّا شاذا، وقول من قال أصله ولاه.
غير مرضي عند النحاة، لأنه لا دليل لقائله عليه.
ومن غريب ما ذكر في الرحمن الرحيم قول ثعلب، قال: الرحمن
[ ١ / ٩٥ ]
اسم عجمي، ولهذا أنْكَرَتْه العرب على ما جاء في القرآن من قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ) .
قال: وهو بالسربانية الرخمن - بخاءٍ معجمة وأَنْشدَ:
أو تتركون إلى القسس هجرتكم. . . ومسحكم صلب الرخمن قربانا
الحسن: الله والرحمن اسمان ممنوعان لا يجوز لأحد من الخلق أنْ
ينتحلهما، وهذا إجماع.
قال الكسائي: الرحمن كان معروفًا عند العرب.
وأنشد بيتًا جاهليًا:
ألا ضربت تلك الفتاة هجينها. . . ألا قطع الرحمن منها يمينها
وكانوا يسمون مسيلمة الكذاب رحمان اليمامة. قال شاعرهم:
سموت في المجد يا ابن الأكرمين أبا. . . وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا
ومسيلمة تسمى بهذا الاسم جهلا منه - لعنه الله -.
ومن غريب ما جاء في - الحمد: أنه مقلوب "المدح، والفرق بينهما: أنَّ
المدح يقع على صفات الذات وصفات الفعل، والحمد يختص بصفات
الفعل، وقيل: الحمد والشكر واحد، والفرق بينهما: أن الله سبحانه يحمد
ذاته، ولا يشكر، لأن الشكر يستدعي سابقة إحسان.
[ ١ / ٩٦ ]
والألف واللام في الحمد للجنس، وقيل: للعهد، وقيل: للتفخيم
والتعظيم، و"الحمد " رفع بالابتداء، والله خبره عند الجمهور. وحكى
ابن حبيب قولًا غريبًا، فقال: (الحمد) جواب الباء في قوله بسم الله " لأن
هذا الباء يقتضي خبرًا فكأنه قال بسم الله الحمد لله، فعلى هذا القول
" الحمد " رفعًا بالابتداء و"بسم الله " خبره تقدم عليه، و"لله" حال من الحمد.
وجل المفسرين على أن القول في الكلام مضمر تقديره، قولوا: الحمد لله.
فتكون الجملة في محل نصب.