عادَ الرَّسولُ أدراجه إلى الملك، وأخبره بما حدث، فلم يغضب لنفسه لأنَّ يُوسُفَ لم يجب إرادته إلَّا بعد التَّحقيق عن سبب اعتقاله، سِعَة صدر منه، بل نزل عند رغبته، فلا بدَّ أنَّ ثقته بيُوسُفَ زادت وحسن اعتقادُه فيه، فاستقصى الأمور، وأعاد التَّحقيق، وجمع النِّسوة، ودعا معهنَّ امرأة العزيز، وواجههنَّ بإصبع الاتِّهام، وأجلسهنَّ مجلس الاستنطاق:
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ مشيرًا إلى أمرٍ لهنَّ جَلَل. ويلاحظ من كلامه أنَّه تأكَّد من براءة يُوسُفَ؛ فقد أسند للنّسوة تهمة المراودة.
ويظهرُ أنَّه لم يكن هنالكَ مجالٌ للإنكار: ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ تعجُّبًا من عفَّته
_________________
(١) البخاري " صحيح البخاري " (م ٤/ ج ٨/ ص ٧١) كتاب التَّعبير. ومسلم " صحيح مسلم بشرح النّووي" (م ٨/ج ١٥/ص ١٢٣) كتاب الفضائل، وأخرجه في كتاب الإيمان (م ١/ج ٢/ص ١٨٣).
[ ١١٥ ]
﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ﴾ قطُّ ﴿مِنْ سُوءٍ﴾ ما: نافية، وسوء: نكرة، والنَّكرة في سياق النَّفي تفيد العموم، ومِنْ: لتوكيد النَّفي، وكلّ ذلك مبالغة في نفي جنس السُّوء عنه. وكانت هذه الجملة طعنةً نجلاء في قلب امرأة العزيز، الأمر الَّذي حذاها ودعاها إلى الاعتراف.
﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ لما رأت الأمر ينذر بالنِّهاية - بلسان النَّدم والحياء والخجل ـ: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ وانكشفَ بعد خفاء، الآن وضُحَ الحقُّ وتبيَّن ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾ في سابقِ قولِه: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾.
ولم يبقَ لأحدٍ مقال؛ فقد اعترفَ الخصم بأنَّ خَصِيْمَهُ على الحقِّ وهو على الباطل، وقطعت بذلك امرأة العزيز قولَ كلِّ خطيب.