من فنون البديع المعنوي التَّورية المرشَّحة، والتَّورية: أن يُطْلَقَ لفظٌ له معنيان، قريب ظاهر، وبعيد خفيٌّ، ويراد به البعيد منهما، ومنه قوله تعالى حكاية عن يُوسُفَ - ﵇ -: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ (٤٢)﴾ فإنَّ قوله ﴿رَبِّهِ﴾ يحتمل أنْ يُرادَ بها الإله، وهذا هو المعنى القريب المورَّى به، وقد ذكر من لوازمه على جهة التَّرشيح لفظة ﴿رَبِّكَ﴾، ويحتمل أن يراد به الملك، وهذا هو المعنى البعيد المورَّى عنه، وهو المراد.
فلو اقتصر على قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ دون قوله السَّابق لم تكنْ هناك تورية، لأنَّ لفظة ﴿رَبِّهِ﴾ تدلُّ على الإله فحسب، ولذلك فإنَّ لفظة ﴿رَبِّكَ﴾ في قوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ رشَّحت لفظة ﴿رَبِّهِ﴾ لأن يكون هناك تورية.