وَهَذِه الحادثة لم تحطَّ مِن مَنْزِلَة يُوسُف - - ﵇ - ـ، بَل زَادَتْه رِفْعَةً وَعلوَّ شَأْن، لَا سيَّما وَأَنَّ الْعَزِيز نَفْسه قَد أَعْلَن بَرَاءَته وَأَسْنَد مَا حَدَث لامْرَأَتِه، فَقَال: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾، و﴿مِنْ﴾: حَرفُ جَرٍّ يفِيد التَّبعِيض وَالتَّجْزِيء، أَي إِنَّ مَا حَدَث
[ ٦٥ ]
جُزء مِن كَيْدِكُنَّ، أَمَّا كَيْدكنَّ فَعَظِيم، وَلَم يَقُل: إِنَّه كَيْدُكُنَّ؛ لِأَنَّ الكَيْدَ لَا يُدْرَك مَدَاه، ولا يُعرف منتهاه.
وَقَد عَبَّر بِصِيغَة الْجَمع لِأَنَّ الكَيْد مِن طَبْع النِّسَاء، وَلِذَلِك فَإِنَّ النَّبِيَّ - - ﷺ - - قَال لِبَعْضِ أَزْوَاجه لمَّا ألحَحْنَ عليه أَن يَأْمر عُمَرَ لِيُصلِّيَ بِالنَّاس بَدَلًا من أَبِي بَكرٍ، قَال: " إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ " (^١) فَالْكَيْدُ مِن طَبْعِكُنَّ.
والكَيد موجود فِي النِّسَاء والرِّجَال عَلَى حَدٍّ سَوَاء، إِلَّا أَنَّ كَيْد النِّسَاء أعظم بشهادة الله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ فهذه الآية تقرِّر أنَّ كيد النِّساء عظيم، وبذلك يتفوَّقْنَ على الرِّجال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ (^٢) فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ [الفلق]
أمّا كيد الشَّيطان فأعظم من كيد النِّساء؛ فبعض كيد النِّساء مُسْتَمدٌّ من وَسْوَسَة الشَّيْطَانِ وَتَسْوِيله، فَهوَ الْمعَلِّم وَهُنَّ التِّلْمِيذَات، أَمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النِّساء] فهذا إِذا مَا قِيسَ بالنِّسْبَة لِكَيْد الله تعالى، فَكَيد الله تعالى أَقْوَى مِن كَيْد الشَّيْطان وَأَشَدُّ، قَال تَعَالَى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ [الأعراف]