هذه عِظَةُ يُوسُفَ، وسواء كانت نفخةً في نارٍ أو في رماد، فقد فتح لنا - - ﵇ - - بَابَ الوعْظِ والإرشاد على مصراعيه، والقرآن الكريم يرشدُنا إلى هذه الفكرة الحميدة، فيقول تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران].
وبعد أن أتمَّ نُصحَه - وهما يصغيان إلى درسه - عَادَ أدراجَه يجيبهما عمَّا سألاه عنه، فلا شَكَّ أنَّهما مشغوفان لسماع التَّأويل، فقال ليقوِّي ثقتهما به: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ يكونُ مصيرُه الخلاص، ويسقي سيِّده خمرًا ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ﴾ لحم ﴿رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾ فهو كائن كما قضاه الله تعالى؛ تأكيدًا وجزمًا لتعبيره، ولم يُعَيِّن يُوسُفُ صَاحِبَ المصير الحسن ولا السيئ رعايةً لحُسْنِ الصُّحبة.
[ ٩٦ ]
وقيل: إنَّهما لم يريا شيئًا وإنّما أرادا امتحان يُوسُفَ - - ﵇ - ـ، فقد أخرج الحاكم بسند صحيح، عن عبد الله، قال: " الفتيان اللّذان أتيا يُوسُفَ - - ﵇ - - في الرُّؤيا إنمَّا كانا تكاذبا، فلمَّا أوَّل رؤياهما، قال: إنَّا كنَّا نلعب، قال يُوسُفُ: قضي الأمر الَّذي فيه تستفتيان " (^١).
وأخرج الحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود - - ﵁ - ـ، قال: " لما حكيا ما رأياه، وعبَّر يوسف - - ﵇ - ـ، قال أحَدُهما: ما رأينا شيئًا، فقال: قضي الأمر الَّذي فيه تستفتيان " (^٢).