وَبَيْنَما يُوسف فِي الْجبِّ مُحْتَسِبًا أَمْرَه إِلى الله تَعَالى، إِذْ جَاءَت رِفْقَةٌ تَسِيرُ لِمصْرَ، وَعِنْد الجُبِّ انْتَدَبوا ساقِيًا يَرِدُ لَهُم عَلَى الجُبِّ، وَيَأْتِيهِم بِالماءِ، قَال تَعَالى ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ رَمَى الْوَارِدُ دَلْوَه فِي الْجبِّ فَتَعَلَّق يُوسُف بِهَا، فَلمَّا رَآه ﴿قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ نَادَى بِفَرَحٍ وَسُرُورٍ الْبُشْرى عَلَى عَادَة الْعَرَبِ كَمَا تُنَادِي الْحَسْرة: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ (٣٠)﴾ [يس].
ثُمَّ اتَّفَقَ الْوَارِدُ وَأَصْحابُهُ عَلَى إِخْفاء أَمْرِ يُوسُفَ وَبَيعِه بِمِصْرَ مَتَاعًا كَمَا تُبَاعُ الْبِضَاعةُ، قَال تَعَالَى: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾ لَم يَخْفَ عَلَيْهِ تَعَالى أَسْرَارَهم وَمَا عَزَمُوا عَلَيه فِي أَمْرِ يُوسُفَ، وَلَكنَّ حِكْمَةَ الله تَعَالى اقْتَضَت ذَلِك؛ ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾ [الأنفال].
[ ٤٨ ]
وَمِن محنَةِ الْجبِّ إِلَى مِحْنَةِ الرِّقِّ، قَال تَعَالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أَي وَبَاعَته القَافِلَة بِثَمَنٍ قليل ناقص، يقال: شريت الشَّيء إذا بعته وإذا اشتريته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ (٢٠٧)﴾ [البقرة] أي يبيعها، والبَخْس: النَّقص والقلَّة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ (١٨٣)﴾ [الشّعراء] أي لا تنقصوها.
﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ تُعَدُّ لقلَّتها، و﴿دَرَاهِمَ﴾ بدل من (ثمن)، والبدل إنَّما ذُكِرَ ليستفادَ فَضْلُ توكيدٍ وبيان وتخصيص للمُبْدَل منه.
﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾ الرَّاغِبِين عَنْه؛ لجهلهم بمنزلته.
* * *
[ ٤٩ ]