وقول يُوسُفَ: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أسلوب نفي من أساليب النَّفي الرَّفيعة المستوى الَّتي تفيد النَّهي والنُّصح والإِرشاد معًا، فقد أراد - - ﵇ - - بقوله هذا أن ينهى الفتيين عن الشِّرك، وأن يغمزَ قناتهما بأنَّ الشِّرك الَّذي هما عليه خَطْبٌ جسيمٌ وأمرٌ جللٌ وَجَبَ عليهما تركُه، والمعنى لا ينبغي لنا نحنُ معْشَرَ الأنبياء أن نشركَ بالله تعالى شيئًا؛ فالشِّركُ ظلمٌ عظيمٌ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ (١١٦)﴾ [النِّساء]
ثمَّ قَالَ: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ بأن جعلنا رُسُلًا موحِّدين ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ بأن بعث لهم رُسُلًا يدعونهم إلى التَّوحيد ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾ فَضْلَ الله تعالى عليهم بتوحيده، فيشركون به غيره.
وبكلِّ حكمة وبراعة يدخلُ يُوسُفُ إلى صميم القضيَّة الإيمانية، فيعرض عليهما
_________________
(١) اختصَّهم - - ﷺ - - بالذِّكر لأنَّ لهم كتابًا، فإذا كان هذا حال من معه كتاب، فمن لا كتاب معه أولى.
(٢) مسلم "صحيح مسلم بشرح النّووي" (م ١/ج ١/ص ١٨٦) كتاب الإيمان.
[ ٨٩ ]
التَّوحيد بصورة الاستفهام؛ حتَّى لا تأخذهما المفاجأةُ بإبطال ما وجدا عليه آباءَهما من قبل فينفرا منه، فقال لهما متلطِّفًا مترفِّقًا متحبِّبًا:
﴿يَاصَاحِبَيِ﴾ في ﴿السِّجْنِ﴾ أجيباني على سؤالي بفطرتكما وعقلكما ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ أي أآلهةٌ متعدِّدة متكثِّرة مقهورةٌ لا إرادة لها ﴿خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾ الَّذي لا ثاني له ﴿الْقَهَّارُ (٣٩)﴾ الغالب على أمره.
فتعدُّد الآلهة يوجب فساد السَّموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ [الأنبياء] ويوجب الاختلاف والتَّنازع والتّشاحن، كما قال تعالى: ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ (٢٩)﴾ [الزّمر].
ونراه أورد الدَّليل على عدم صحَّة عبادتهما بصورة الاستفهام ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾؛ لأنَّ ذلك أدعى للقبول، وهو استفهام إنكاري يراد به التَّقريع والتَّوبيخ.
﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ ﵎ أنتما ومَنْ على دينكما من أهل مِصْر القُدماء ﴿إِلَّا أَسْمَاءً﴾ فارغة ليست تحتها مسمَّيات تستحقُّ إطلاق هذه الأسماء عليها، وما ليس فيه حقيقةُ إطلاق الاسم عليه لا وجود له أصلًا. ويلاحظ أنَّه جاء بخطاب الجمع ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ وكذلك ما بعده من الضَّمائر لأنَّ الخطاب لصاحبي السِّجن ومن على دينهما.
﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ آلهةً من عند أنفسكم، وليس في المسمَّى من الألوهيَّة شيء، وهي في الحقيقة مألوهة مؤلَّهة لا آلهة ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ من بُرهان يدلُّ على صحَّة عبادتها، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
[ ٩٠ ]
صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة] فالمسمَّيات لا تتغيَّرُ بتغيُّر الأسماء، فالحجارة مثلًا لا تصيرُ آلهةً بتغيير اسمها، لذلك لا تستحقُّ الألوهيَّة ولا العبادة؛ لأنّ الدِّينَ مبنيٌّ على الحجَّة والبرهان، لا على التَّقليد، فهذا ما نطق به القرآن، وهذا ما تدين به العقول، وهذا ما تُسَلِّم له الأفئدة، فأيُّ باطلٍ أخذتم؟! وأيُّ حقٍّ رفضتم؟!
ثمَ نصَّ على ما هو الدِّينُ القويم والحقُ المبين، فقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ ولا نحسبهما إلَّا قد ألجما الحجَّة؛ فسكوتهما عن الجواب حُكْمٌ صَامِتٌ بصحَّةِ كلام يُوسُفَ - - ﵇ - ـ.
ومن اللَّافت أنّ يُوسُفَ - - ﵇ - - في شرح التَّوحيد والدَّعوة إلى ترك التَّقليد يكاد لا يسكت ولا يكفُّ، بخلاف موقفه أمام عزيز مصر وتقرير سجنه، فلم يُسْهِب في الكلام فهو ﴿يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ [العلق] وأنَّه ﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشُّورى] وأنَّ الله يحكم ما يشاء وليس حكمه بالمردود، ولذلك سَلَّمَ الأمْرَ لصاحِب الأمر.