من جمال اللُّغة العربيَّة أنَّها تفرِّق بين المعاني بطرائق مختلفة، فقد تفرِّقُ بين المعنيين بالحركة، أو برَصْفِ حروف المباني، أو بحرف من حروف المعاني وقد صنَّف العلماء كتبًا شرحوا فيها معاني الحروف، وبيَّنوا الوجوه الَّتي يتصرَّف الحرف منها.
وقد يعطي الحرف في الجملة ضدَّ ما يعطيه الحرف الآخر، فلو قلْتَ: رَغِبَ في. لكان المعنى أحبَّ، ولو قُلْتَ: رَغِبَ عن. لكان المعنى كره. ولو قُلْتَ: أحمد أحبّ
[ ٣١ ]
لوالده من عمرو. لكان المحبّ أحمد، والمحبوب الوالد. فإذا أردت العكس، قُلْتَ: أحمد أحبُّ إلى والده من عمرو، كما قال تعالى على لسان يُوسُفَ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾.
وانظر إلى دقَّة النَّظم القرآنيّ والتَّعبير البيانيّ، قال إخوة يُوسُفَ: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا (٨)﴾ ولم يقولوا: لأبينا. لأنَّ (إلى) في هذا الموضع حرف من حروف المعاني بمعنى (عند)، وتسمَّى (إلى) المبيِّنة لأنَّها تبيِّن أنَّ مصْحوبها فاعلٌ لما قبلها، وتقع في هذه الحالة بعد ما يفيد حبًَّا أو بغْضًا من فعل تعجُّب أو اسم تفضيل، وقد وقعت - كما هو ملاحظ - بعد اسم التَّفضيل (أحبّ)، ومرادهم أنَّ يعقوب يحبُّ يُوسُفَ وأخاه أكثر، فالمُحِبُّ هنا يعقوب، والمحبوب يوسف وأخوه.
ولو قُالوا: ليوسف وأخوه أحبّ لأبينا منَّا. لاختلف المعنى تمامًا؛ لأنَّ اللَّام في مثل هذا الموضع تسمَّى أيضًا " اللَّام المبيّنة"، لكنَّها تبيِّنُ أنَّ مصحوبها مفعولٌ لما قبلها من فعل تعجب أو تفضيل، فما بعد اللَّام هو المفعول به. والمعنى أنَّ يُوسُفَ وأخاه يحبَّان يعقوب أكثر، فالمحبُّ يوسف وأخوه، والمحبوب يعقوب، وليس هذا المعنى ما قصدوا إليه.