نَزَلَتْ سُورَة يوسف بَعْدَ اشْتِدَادِ الأزْمَةِ على النَّبيِّ - - ﷺ - - في مَكَّةَ مع قريش، وبَعْدَ عامِ الحُزْنِ الَّذي فَقَدَ فِيهِ النَّبيُّ - - ﷺ - - زَوْجَتَهُ الطَّاهِرَة خديجة ﵂
[ ١٧ ]
وعمَّهُ أبا طالِب، الَّذي كان ظَهِيرًا ونصيرًا له.
وفي سَبَبِ نزولها أخر ج الحاكم عن سعد بن أبي وقّاص، قال: " نَزَلَ القُرآنُ على رَسُولِ الله - - ﷺ - ـ، فتلا عليهم زمانًا، فقالوا: يا رَسُولَ الله، لو قَصَصْتَ علينا، فأنزل اللهُ تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١)﴾ " (^١) [يوسف] (^٢).
وقد نزلت في أواخر العهد المكّيّ تسلية للنَّبِيِّ - - ﷺ - - ففيها الإلماح إلى تشابه واقع النَّبيّين، فقصَّة يُوسُفَ مع أخوته أشبه بقصَّة النَّبِيِّ - - ﷺ - - مع قريش، فإذا كان يُوسُفُ قد تآمر عليه أخوته، وفكَّروا في قتله أو إبعاده وإخراجه، وقالوا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا (٩)﴾ فإنَّ في ذلك تثبيتًا لفؤاد النَّبيِّ - - ﷺ - - يوم تآمرت عليه قريش في دار النَّدوة، وقرَّروا: حبسه، أو قتله، أو إخراجه من مكَّة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال].
وغيابة الجبِّ في محنة يُوسُفَ قبيل الرَّحيل به لمصر، فيها تسلية للنَّبيِّ - - ﷺ - - وهو في غار ثور قبيل الهجرة للمدينة.
وسجن يُوسُفَ بمصر ظلمًا وعدوانًا، فيه ذكرى للنَّبيِّ - - ﷺ - - وأصحابه وهم في شعب أبي طالب بعد أن حاصرتهم قريش وقاطعتهم ظلمًا وعَدْوًا، وهذا كلُّه يفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ [هود].
وسجنهم ليُوسُفَ - - ﵇ - - وتماديهم في ظلمهم له رغم ظهور الآيات الدَّالة على
_________________
(١) الحاكم " المستدرك " (م ٢/ص ٣٤٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه، ووافقه الذَّهبي.
(٢) الآيات الَّتي تُرِكَت بعد ذلك دون تخْرِيجٍ هي من سُورِة يُوسُفَ.
[ ١٨ ]
براءته وصدقه، كما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ يذكِّر في تمادي المشركين في غيِّهم في حقِّ النَّبيِّ - - ﷺ - ـ، مع رؤيتهم الآيات الدَّالة على صدقه - - ﷺ - - كما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾ [الصّافات].
ومن التَّشابه بين واقع يوُسُفَ - - ﵇ - - وواقع النَّبيِّ - - ﷺ - ـ، أنَّ الله تعالى مكَّن للنَّبِيِّ - - ﷺ - - بأرض المدينة كما مكَّن ليُوسُفَ بأرض مصر:
تَلْقَى بكل بلادٍ إن حَلَلْتَ بها أهلًا بأهلٍ وجيرانًا بجيران
ومن التَّشابه أنَّ الله تعالى جمع بين النَّبِيِّ - - ﷺ - - وأهل مكَّة بعد غربة وعناء، كما جمع بين يوُسُفَ - - ﵇ - - وأهله بعد غربة وشتات، وعفو النَّبيِّ - - ﷺ - - عن أهل مكَّة، يشبه عفو يُوسُفَ - - ﵇ - - عن إخوته.
فإذا كان للنَّبِيِّ - - ﷺ - - في الأنبياء ما يثبِّت به فؤاده، أفلا يكون لنا في النَّبِيِّ - - ﷺ - - خاصة وفي الأنبياء عامة ما نثبِّت به الأفئدة، ونطمئن به النُّفوس، ونصلح ما في الصُّدور؟!