ألا قَاتَلَ اللهُ الحَسَدَ! كَيفَ يُضَيِّعُ أخًا بأيدي إخْوتِهِ، وَيُزَيِّنُ بَغْيًا في أعْيُنِ رِجَالٍ نَشَؤُوا في بَيْتِ النُّبوَّةِ، ويُفْجِعُ أبًا بأيدي أبنائِهِ.
لقَد جاءت رمْيَةُ يُوسُفَ من عند إخْوتِهِ، ولو جاءت من عند غَيرِهِم لكانتْ
[ ٣٦ ]
أقلَّ أثرًا، وأخَفَّ ألمًا! قال طرفة بن العبد:
وَظُلْمُ ذَوِي القربى أشدُّ مَضَاضةً على المرءِ من وَقْعِ الحُسَام المهَنَّدِ (^١)
لكنَّ اللهَ تعالى يَمْتَحِنُ المُخْلِصين من عِبَادِهِ بألوان الرَّزايا وضروبِ البلايا؛ ليكونوا أقْدَرَ على حَمْلِ الرِّسالةِ وأداء الأمانة، واحْتِمَالِ الأذى في جَنْبِ الله تعالى.
وهكذا أمسَى يُوسُفُ - - ﵇ - - في غَيابَةِ البئر، فما عَسى كانت خواطره؟! لعَلَّه كان يَسْألُ نفْسَه كَيفَ سَوَّلَتْ لهم أنْفُسُهُم هذا الأمر؟! وكيف تَطِيبُ لهم أنفسهم أن يتركوه في ظلمات البئر؟! لكن الَّذي لا شكَّ فيه أنَّه إن قَطَعَ الرَّجاء من عودَتِهم، لم يَقْطَع الرَّجاء من رحمة الله تعالى.