اللَّيلُ حَالِك، ويَعْقُوب - - ﵇ - - في بيتِهِ يَنْتَظِرُ عَوْدَةَ يُوسُفَ لَحْظةً بلحْظَة، ولكن هوِّن عَلَيْكَ يا نبيَّ الله؛ فَلَنْ تَراهُ إلَّا بَعْدَ سنين عددًا!
قال تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦)﴾ ما أرْخَصَ الدُّمُوعَ إذا كَانتْ دُمُوعَ التَّمَاسِيح! فَعِنْدَ العِشَاء، ولمَّا عَسْعَسَ اللَّيلُ، وخَلَعَ عبَاءَتَهُ السَّوداءَ على الكون، عَادَ الأبناءُ إلى أبيهم يُظْهِرون الحُزْنَ، ويَرْفَعُونَ أصواتَهُم بالبكاءِ. وإنَّما اختاروا العِشاء ليكونُوا أجْرأَ في العِتْمَةِ على الاعْتِذار بالكَذِبِ، وحتَّى لا يتبيَّنَ يعْقُوبُ - - ﵇ - - دُمُوعَهُم الكاذِبة.
وقد أخبر الله تعالى عن بكائِهم بالفعل ﴿يَبْكُونَ (١٦)﴾ ولم يخبر بالاسم
_________________
(١) الشَّنقيطي " شرح المعلَّقات العشر " (ص ٧٦).
[ ٣٧ ]
(باكين)؛ لإفادة تجديدهم للبُكاءِ شيئًا بعد شيء، وهو ما يُسمَّى حكاية الحال الماضية لاستحضارِها في النُّفوس، وهذا هو سِرُّ الإعراض عن اسم الفاعل، فهناك فرق في الخطاب بين الاسم والفعل، إذ أنَّ الفعل يفيد التَّجدُّد، والاسم يفيد الثُّبوت.
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ نَعْدُو ونجري ونتسابق ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ عند ثِيابِنَا وطعَامِنا وحوائجِنَا ليَحْفَظَها ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ فجاءَ الذِّئبُ فَأكَلَهُ، ولو قالوا: فافْتَرسَهُ الذِّئبُ، لبَقِي مِنْهُ شيءٌ يَسْتَطِيعُ أبوهُم أنْ يُقِيمَ الدَّليلَ عليه، ولكن ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ يَعْني: لم يُبْقِ منه شيئًا ولم يَذَر.
ويَكَادُ المُرِيبُ يَقُولُ خُذُونِي ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾ أي وما أنت بِمُصَدِّقٍ لنا فيما نَقُولُهُ لك، ولو كُنَّا في الواقِعِ صادِقِينَ.
وتُحْمَل (لو) في الآية بمعنى (إنْ) الواقعة للجزاء، فإنَّك تقول: أنت لا تُكْرِمُني ولو أَكْرمتك، تريد (وإنْ)، وعلى ذلك فالمعنى: وما أنْتَ بمؤمنٍ لنا وإنْ كُنَّا صادقين.