قَال تَعَالَى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ هَكَذَا بِالتَّثْنية، فَهُنَاك قَاعِدَة تَنْطَبِق عَلَى يُوسُفَ - - ﵇ - - تَقُول: " الإِحْرَاج يَقُودُ إِلَى الإِخْرَاج " وَأخْرَى تَنْطَبقُ عَلى امْرَأَة العَزِيز، تَقُول: " إِذَا لَم تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ " (^١)، فَقَد بَلَغَ مِن عِفَّتِه - - ﵇ - - أَنَّه أَسْرَعَ إِلَى الْبَاب لِلْهَرَب، فَعَدَتْ خَلْفَه لِلطَّلب، وَجَذَبَتْ قَمِيصَه، وتَعَلَّقَتْ به لتَحْبِسَه على نفسها ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ أي شَقَّت قَمِيصه مِن خَلْف ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ وَإِذَا بِزَوْجِهَا الْعَزِيز فَجْأَة لَدَى الْبَاب مُقْبِلًا.
فَاطْمَأنَّ يُوسُفُ - - ﵇ - - لِإِيمَانه ببراءته، فالبريء لا ﴿يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣)﴾ [الجنّ]، أَمَّا هِي فَسُرْعَانَ ما اسْتَجْمَعَت أَنْفَاسَها، وتَسلَّحت بالكيد والمكر؛ لِتَخْرجَ مِن الشَّرَك الَّذِي نَصَبته، وتثأرَ لِنَفسِها مِن يُوسُفَ، فَقَالَت لزوجها: ﴿مَا
_________________
(١) البخاري " صحيح البخاري " (م ٤/ج ٧/ص ١٠٠) كتاب الأدب.
[ ٥٧ ]
جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ (^١) سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾ وكأنِّي بها قالت هذا الكلام اللَّيِّن والظُّلم البيِّن، وهي تَبْكِي، كما قِيل: "وَسِيلةُ المرأة في هُجُومِهَا صُرَاخُها، وَوَسِيلتها فِي دِفَاعِهَا دمُوعُهَا ".
وَتَوجَّهَت الْأنْظَارُ نَحو يُوسُفَ؛ لِيَسْمَعوا مَاذَا يَقُول، وَبِخلاف امْرَأَة الْعَزِيز الَّتي أَطَالت الْكَلَام اقْتَصر - - ﵇ - - على أَقَلِّ عِبَارَة يُدَافِع بِهَا عَن نَفْسِه وَتُؤَدِّي غَرَضه، فَقَال - وَعَلَامَاتُ الطُّهْرِ بَادِيَة عَلَى مُحيَّاه ـ: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي (٢٦)﴾ هِيَ الَّتِي طَلَبَت، وَلَكِنِّي لَم أَسْتَجِب، مُحْتَسِبًا أَمْرَه عند الله تعالى، مُؤمِّلًا أَخْذَ الْعَدَالَة مَجْرَاهَا.