﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أرادوا أنْ يُعَزِّزوا قَوْلَهُم ويُوثِّقوا تَبْرِيرَهم، فَقَدَّمُوا لأبيهِم قَمِيصَ يُوسُفَ - - ﵇ - - وعَلَيهِ دَمٌ كَذِبٌ مُفْتَرى، وَوُصِفَ الدَّمُ بالمَصْدَرِ مُبالَغةً، كأنَّ الدَّمَ هو الكَذِبُ عيْنُهُ.
ولكن مَهْمَا دَبَّرَ المُدَبِّرونَ وفَعَل الفاعِلُونَ فلا بُدَّ أنْ يَتْركوا خَلْفَهُم علامَاتٍ وآثارًا تُثْبِتُ أنَّهُم الفاعِلُونَ، فما أَشَدَّ غَفْلَتَهُم! فَقَد جاؤوا بالقَمِيصِ ليَشْهَدَ لَهُم بِصِدْقِهم، فَكَانَ دلِيلًا على كَذِبِهم، فَقَد نَسُوا أن يُمَزِّقوا القَمِيصَ، فلَم يُصَدِّقْهم يَعقُوبُ - - ﵇ - ـ، فأيُّ ذِئْبٍ حَلِيمٍ عاقِلٍ هذا الَّذي يَأكُلُ يُوسُفَ كُلَّهُ دون أن يَشُقَّ
[ ٣٩ ]
قَمِيصَه، أو يُحْدِثَ فيه أيَّ خَدْشٍ أو خرْق أو تَمْزِيق؟! وأيّ ذِئْب رَشِيد هذا الَّذي يَنْزِعُ القَمِيصَ عن يُوسُفَ أوَّلًا ثمَّ يأكُلُهُ؟! وبعدما حسبوه ورَقةً رابِحةً في أيدِيهم وحُجَّةً دامِغَةً لَههم، إذا بهِ حُجَّة ساطِعَة على فَسَادِ دَعْواهم؛ فليْسَ أدلّ على كَذِبِهم من قَمِيصِ يُوسُفَ غَيْر المُمزَّق ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النُّور] وصَدَقَ القَائِلُ:
إذا لَمْ يَكُنْ عَونٌ مِنَ الله للفَتى فَأَوَّلُ مَا يَقْضِي عَلَيْهِ اجتِهَادُهُ