ويتَّضحُ من قوله: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ نفي لجواز الشِّرك (^١) في الرُّبوبيَّة أو الألوهيَّة، وإثبات لوجوب التَّوحيد، قال تعالى لنبيِّنا محمَّد - - ﷺ - ـ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزُّخرف].
فكلمة لا إله إلا الله هي اللِّواء الَّذي عمل الأنبياءُ جميعًا لرفعه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء].
ولا إله إلا الله هي الرَّاية التي عاش في ظلِّها الأنبياء والمرسلون، قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النَّحل] فدين التَّوحيد هو الدِّين الخالص الَّذي جاء به الأنبياء جميعًا؛ لعموم قوله تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ (١٩)﴾ [آل عمران]، وقد جاءتْ الجملةُ معرَّفة الطَّرفين للدِّلالة على الحصر والقصر، أي: لا شرع ولا دين إلَّا الإسلام، وكلامه تعالى لا يقبل النَّقض ولا المداولة ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران] لأنَّه دينُ التوحيد الحقّ.
والإسلام ليس هو دين النَّبيِّ - - ﷺ - - خاصَّة، بل هو دين الأنبياء والرُّسل من
_________________
(١) الشِّرك في الألوهيَّة: أن يُعْبَدَ مع الله إله آخر، أمَّا الشِّرك في الربوبيّة: فأن يطاع غير الله في أمرٍ ونهي وتشريع وتحليل وتحريم.
[ ٨٥ ]
قبله عامَّة، فحرَّفه أتباعُهم، ثمَّ أنزله الله تعالى على خاتم الأنبياء والمرسلين سيِّدنا محمِّد - - ﷺ - - لتوحيد العقائد، لا لتفريق القواعد؛ ولذلك جُعِلت قاعدتُه الثَّابتة الإيمان بسائر رسل الله تعالى وكتبه، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ القرآن ﴿بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ (٤٨)﴾ [المائدة] أي: مصدِّقًا للكتب السَّماويَّة الَّتي سبقته، ومؤتمنًا وشاهدًا عليها أنَّها من عنده سبحانه.
فالإسلام ليس بدين جديد، الإسلام قديم، الإسلام دين الأنبياء والرُّسل الأقدمين أجمعين، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ (١٣)﴾ [الشُّورى].
فنوح - - ﵇ - - كانَ مُسْلمًا موحِّدًا، قال: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ [يونس] وإبراهيم - - ﵇ - - كان مسلمًا: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ [البقرة].
ولوطٌ - - ﵇ - - جاء بالإسلام، فالله تعالى حين أراد إهلاك قومه الَّذين ارتكبوا الفواحش، قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذَّاريات] هو بيت لوط - - ﵇ - ـ.
ووصَّى إبراهيمُ ويعقوبُ ﵉ أبناءَهما بالإسلام: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة].
ولمَّا حَضَرَ يعقوبَ الموتُ ﴿قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة].
[ ٨٦ ]
وكانتْ طُلْبةُ يوسف الأخيرة من ربِّه: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف].
وموسى - - ﵇ - - كان مسلمًا، فالسَّحرة الَّذين اتَّبعوه وآمنوا ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف] قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾ [الأعراف] ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ [يونس]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ (٤٤)﴾ [المائدة].
وسليمان - - ﵇ - - كان مسلمًا، فعلى لسان بلقيس: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ [النَّمل] وعلى لسانه: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢)﴾ [النَّمل].
وعيسى - - ﵇ - - كان مسلمًا ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾ [آل عمران] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾ [المائدة]، فالمسيح عيسى ابن مريم - - ﵇ - - ما جاء ليُنَكِّسَ لواءَ التَّوحيد، بل ليرفعَه: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة] ولذلك قال النَّبيُّ - ﷺ -: " أَنَا
[ ٨٧ ]
أَوْلَى (^١) النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ (^٢)، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ " (^٣)
فأَصْل دِينهمْ وَاحِد، وَهُوَ التَّوْحِيد، الَّذي بعث الله به كلَّ نبيٍّ مرسل، وضمَّنه كلَّ كتابٍ منزل، وَإِنْ اختلفت فُرُوع الشَّرَائِع.
وسيِّدنا محمَّد - - ﷺ - - أُمِرَ بالِإسْلام: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾ [النَّمل]
فدين الأنبياء واحد، اتَّفقوا في الأصول والعقيدة، لكن اختلفوا في الشَّرائع والمنهاج حتَّى يناسب كلّ أمَّة، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا (٤٨)﴾ [المائدة].
واعلم أنَّ رسالة النَّبيِّ - - ﷺ - - تختصُّ عن الرِّسالات السَّابقة بخصائص، منها: أنَّها خاتمة للرِّسالات السَّابقة، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ (٤٠)﴾ [الأحزاب] وأنَّها رسالة عامَّة، فقد بُعِثَ - - ﷺ - - إلى كافَّة الورى، وعامَّة الجنِّ، ويدلّ على بعثته إلى النَّاس كافَّة، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ (١٥٨)﴾ [الأعراف] ويدلّ على بعثته إلى عموم الجنِّ، قوله تعالى حكاية عن الجنّ: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ
_________________
(١) النَّبيُّ - - ﷺ - - أولى النَّاس بابن مريم، لقرب العهد منه، ولأنَّه بشَّر به، كذلك هو أولى النَّاس بإبراهيم - - ﵇ - - من جهة الاقتداء به، وكونه من ذريَّته، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ (٦٨)﴾ [آل عمران].
(٢) يقول العرب: هم إخوة لعلاّت إذا كان أبوهم واحد، وأمهاتهم مختلفاتٍ.
(٣) البخاري "صحيح البخاري" (م ٢/ج ٤/ص ١٤٢) كتاب أحاديث الأنبياء ..
[ ٨٨ ]
بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾ [الأحقاف].
ومن الخصائص أنَّ رسالته - - ﷺ - - ناسخة للرِّسالات السَّابقة: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران] وقال - - ﷺ - ـ: " وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ (^١)، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ " (^٢) وهذا واضح في نسخ الملل والشَّرائع كلِّها برسالته - - ﷺ - ـ، فلا يجوز لأحد من الثَّقلين أن يتابع أحدًا من الرُّسل السَّابقين بعد بعثته - - ﷺ - ـ.