ذهب بعض المفسِّرين إلى أنَّ المرأةَ تتكلم أكثر من الرَّجُل، واستدلُّوا على ذلك بأنَّ امرأةَ العزيز أطالت وأكثرت الكلام في دفاعِها عن نفسِها: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾ بخلاف يُوسُفَ - - ﵇ - - الَّذي اقتصر على أوجز لفظ، وقال من غير إسهاب ولا إطناب: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي (٢٦)﴾ وهذا الاستدلال فيه نظر؛ فقد تكلَّم الشَّاهد الَّذي هو من أهلها - كما سيأتي - بأكثر منها!
ثمَّ خطر لي أنَّ الإسهاب والإطناب، والإيجاز والقصر الوارد في الآيتين يؤخذ منه ما هو أجود من ذلك، يؤخذ منه أنَّ البيان ليس بكثرة الكلام، وإنَّما بإصابة المعنى كما هو معروف في البلاغة.
_________________
(١) ﴿بِأَهْلِكَ﴾: بزَوجتك، قَالَ تَعالَى عن إِبراهيم - - ﵇ - ـ: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ (٢٦)﴾ [الذَّاريات] وَفي شَأن مُوسَى - - ﵇ - ـ: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ (٢٩)﴾ [القصص].
[ ٥٨ ]
فسكوتُ يُوسُفَ - - ﵇ - - عن ضروب البيان، ووجوه الكلام، وكثرة الجدال والخصام لم يكن عيًّا، وإنَّما كان عِلمًا وفَصَاحةً وورعًا وثقةً بالله.
وسيأتي ليُوسُفَ إسْهَاب في الكلام، ولكن في مقام الدَّعوة إلى التَّوحيد وهو في السِّجن، أمَّا إذا تعلَّق الأمرُ بالافتراء عليه فكان يقتصر على أوْجَز لفْظ، فسيأتي لأخوته اتِّهامه بالسَّرقة، ولم يزد أن قال: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾.
وكم من عَالمٍ جَليل، حظُّه من العلم وافِرٌ جزيل، ويموت بموته خير عظيم، جَهِل عليه من جَهِل، وافترى عليه من افترى، فأسكته علمه عن القِيل والقَال، ووكل أمره إلى ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد] ولا غرابة؛ فالعلماءُ ورثةُ الأنبياء.
ألا ترى كيف ردَّ نبيُّ الله يَعقوبُ - - ﵇ - - على أولاده لمّا افتروا الكذب، ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ ألا ترى إلى أمّ المؤمنين عائشة ﵂ لمّا افترى عليها من افترى حديث الإفك، قالت: " مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَيَعْقُوبَ وَبَنِيهِ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ والله الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ " (^١) فإذا جار عليك النَّاس، فاستجر بالله، فلنعم المجير!