حَلَّ يُوسُفُ فِي قَلْب امْرَأَة العَزِيز محلًا كَبِيرًا من حَيْث لا يَشْعُر، وَظَنَّت أنَّه حِينَ يَعْلَم بِمَيلِها يُسَرُّ السُّرُور الْعَظِيم ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ هَكَذَا عَبَّر القرآنُ الكريمُ عَن امْرَأَة العَزِيز بالاسم الموصول المفرد المؤَنَّث ﴿الَّتِي﴾ وهو المسند إليه، زيادة في التَّقرير، فهو مسوق لتنزيه يوُسُفَ، والسَّتر عليها.
وفي قوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ﴾ كناية عن صفة، والكناية لفظ استتر معناه، لغرض، والغرض هنا التَّعبير عن المعنى القبيح المستهجن بالكناية عنه باللَّفظ المهذَّب الَّذي لا ينبو عنه الطَّبع، فقوله: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ كناية عن المخادعة، وما احتالت به.
﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ وَأَحْكَمَت إغْلَاقَهَا وإطباقها، وَدَعَتْهُ إلَى نَفْسِها، ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ واللَّام في ﴿لَكَ﴾ للتَّبيين، والمعنى: هَلُمَّ، أقبل، تَعَال أقول لك! وَهَذَا نِدَاء نَفْسها الأمارة الَّتي زَيَّنَت لها السُّوءَ، وكلمة ﴿هَيْتَ﴾ وحيدة في القرآن مادَّة وصيغة.
فَلمَّا سَمِع - - ﵇ - - نِدَاءَهَا، وَعَلم مُرَادَها؛ خَيَّبَ فَأْلَها، وَرَدَّ كَيْدَهَا إِلى نَحْرها، وَتَعَفَّف، وَامْتَنَع، وأَبَى إبَاءً شَدِيدًا، وَدُون أدْنى تَفْكِيرٍ وَبِلِسَان التَّقْوَى ﴿قَالَ مَعَاذَ
[ ٥٣ ]
اللَّهِ﴾ أَلْتَجئ إِلَى الله، أَرتَكنُ عَلَى جَناب الله، أَتَحَصَّنُ بِحِمى الله.
موقِف مَبْدئيٌّ وَثَابت لَا يَقْبَل المُساومة ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ يَعْنِي بِه إلهه سُبْحانه ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ غَمَرَني بِإحْسَانه، وَكَلَأني بِرعَايته، فَلَا أَعْصِيهِ؛ ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ وَهَذا نِدَاء نَفس يُوسف الْمطْمَئِنَّة، وَهَيهَات هَيْهَات بينَ نَفس امْرَأَة الْعَزِيز الأَمَّارة، وَنَفس يُوسُف المطمئِنَّة.
وهكذا بعد أن غَلَّقَتْ عليه أبوابَ بيتها فَتَحَ الله تعالى عليه بَابَ العِصْمَةِ، فلم يُضِرْهُ ما أُغْلِقَ بعد أن أكرمه الله تعالى بما فَتَحَ عليه من الحكمة والعلم!
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ (٢٤)﴾ وَفي هَذِه الآية تَعثَّرَت أَقْلَام، وَزلَّت أقْدَام، وَضَلَّت أَفْهَام؛ ففي هَذِه الآية قَالُوا كلامًا ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠)﴾ [مريم]
وَتَفْسِير الْآيَة جدّ يَسِير ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾: كَلَامٌ تَامٌ نَقِفُ عَلَيه، ثُمَّ نبتدِئُ بقوله تعالى: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ أَي وَلَوْلا أَن رَأَى بُرْهَان رَبِّه لَهَمَّ بِهَا، فالهمُّ ممتنعٌ وقوعه من أجل وجود البرهان، فَيُوسُفُ - - ﵇ - - لم يَقَعْ منه فِعْلٌ وَلَا هَمٌّ بالفعل، وَالْآيَة نَاطِقَة مُصَرِّحة بذلك، فَهَذَا الْكَلَام من قَبِيل التَّقْدِيم والتَّأْخِير، وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾ [القصص] أَي لَوْلَا أَن رَبَطْنَا عَلِى قَلْبِهَا لَكَادت تُبْدِي بِه، فَهَذا عَلَى تَقْديم الجواب وَتَأْخير الشَّرط، أَو عَلِى حَذِف الجواب لدلالة مَا قبله عليه، وهذا التَّقْديم وَالتَّأْخِير إِنَّما جَاء لِوُجوه بَلَاغِية وَحِكَم ربَّانِيَّة وَأُمُور إِيمَانِيَّة وَانْتَهَت الْقَضِيَّة.
نعم، هذا على التَّقديم والتَّأخير، ولذلك لا ينبغي أن نقف في المعنى عند قوله
[ ٥٤ ]
تعالى: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ ونسكت؛ فقد يتبادر إلى الأفهام والأذهان أنَّ الهمَّ قد وَقَعَ، وليس كذلك، فلا يدلُّ قوله تعالى: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ على ثبوت الهمِّ؛ لأنَّ لولا: حرف امتناع لوجود، فالهمُّ ممتنع وقوعه لوجود رؤية يُوسُفَ لبرهان ربِّه، فالآية تقديرها: لولا أن رأى برهان ربِّه لهمَّ بها، لكنَّه رأى البرهان فلم يهمَّ بها.
فأنت تقول: لقد قتلته لولا أن تداركتني رحمة الله. فلو وقف السَّامع عند قولك: لقد قتلته، لتوهَّم أنَّ القتل قد وقع، والحقيقة أنَّ القتل ممتنع وقوعه لوجود رحمة الله تعالى، ويكون المعنى: لولا أن تداركتني رحمة الله لقتلته، فالقتل لم يقع أصلًا. ونظير ذلك حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ (^١)، قولك: لقد خرجنا لولا نزول المطر، فالخروج لم يقع لنزول المطر، فالتَّقدير: لولا نزول المطر لخرجنا، ونظيره: لقد هلكنا لولا أن هدانا الله، فالهلاك ممتنع وقوعه من أجل وجود هداية الله تعالى، وكم من نظير!
أمَّا البرهان الَّذي رآه يُوسُفُ - - ﵇ - - فقد أطال المفسِّرون في تعيينه بلا دليل يدل عليه من الكتاب أو السُّنَّة، وفي تعيين ذلك البرهان تكلُّفٌ غيرُ محمودٍ إذ لا سبيلَ إلى معرفته إلَّا بالخَبَرِ المقطوع به، وهذا ما لم أقف عليه.
أمَّا معنى الهمّ فأيًّا كَانَ مَعْناه، فَيُوسُفُ لم يَقَعْ منه هَمٌّ بِهَا البتَّة، بَل هُوَ مَنْفِيٌّ لوُجُود البُرْهَان الْإِلهيّ عنده، ولنفي السُّوء وَالفَحْشَاء برمَّتهما عنه - - ﵇ - ـ، قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ فَهَذَا نَفْيٌ لوقوع الهمِّ منه بالمعصية؛ فالآية تَعْنِي أنَّ يُوسُفَ ثَابِتٌ ثَبَاتَ الجبال، والسُّوء وَالْفَحْشَاء يَسْعَيَان إلَيه، وَلَو كَان الحَال كما زَعَمُوا أنَّ يُوسُفَ هَمَّ بالمعصية، لكان الثَّابت السُّوء
_________________
(١) يُضْرَب في المتماثلين، وفي التَّسوية بين الشيئين، والقُذَّة: الرِّيشة من ريش السّهام المقطوعة على قدْر صاحبتها مثلًا بمثل.
[ ٥٥ ]
وَالفَحْشَاء، وَالَّذِي يَمْشِي إِلَيْهِما يُوسُفُ، ولقال تعالى: لِنَصْرِفه عَن السُّوء وَالْفَحْشَاء. فلمَّا لَم يَقُل تعالى ذلك، وَقَال: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى ثَبَات يُوسُفَ وَنَزَاهَته وَعَلَى عَدَم هَمِّه بالمعصية، ثمّ إنَّ الهمَّ ليس ممَّا يَكْسِبُه العَبْدُ.
وَلِكَي يَقطَع الله كُلَّ لِسَان، قَالَ بعد ذلك: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾؛ لِيُبَيِّن لَنَا أَنَّ إِبْلِيسَ نَفْسَه لَيْسَ لَه سُلْطَانٌ وَلَا غِوَايَةٌ عَلَى يُوسُفَ، فَإِبليس قَالَ لله تعالى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص]، وَيُوسُفُ مِن المُخْلَصِين، فَهو مستثنى بـ (إلّا)، والكلام تَامٌ مُوجَب.
وزد عَلَى ذَلِك أَنَّ الله تَعَالى آتى يوسف الحُكْم والعلم قَبْل هَذِهِ الحادثة، وهما من أسباب العصمة، قَال تَعَالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾.
أَبَعْد هَذَا يَقُولُ قَائِلٌ: إِنَّ يُوسف حَاول؟! أَبَعْد هَذَا البَيَان يَقُول مُكَابِرٌ: إِنَّه كَانَ فِي نَفْسِه شَيءٌ؟!