وَيَظْهَرُ أنَّ يَعْقُوبَ - - ﵇ - - كان مُصِيْبًا في تَخَوُّفِهِ على يُوسُفَ من إخْوتِهِ؛ فالمَشْهَدُ الثَّاني من القِصَّة يُبَيِّنُ لنا إخْوةَ يُوسُفَ، والحَسَدُ قَد تَبَالغَ في نُفُوسِهِم، والبَغْضاءُ قَدْ هَاجَتْ في قلوبِهِم، وهم مؤْتَمِرونَ للنَّظرِ في أَمْرِ يُوسُفَ، ومناقَشَةِ ما يَصنَعُونَهُ في أَمْرِهِ.
وقَد ذَكَرَ اللهُ تعالى مَتْنَ مؤامَرَتِهم، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ﴾ اللَّام للابتداء، وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة، أرادوا أنَّ زيادة محبَّة أبيهم ليُوسُفَ وأخيه أمر ثابت محقَّق لا رَيْبَ فيه ﴿وَأَخُوهُ﴾ شَقِيقه، وتَخْصِيصُه بالإضَافةِ لاخْتصاصِه بالأخُوَّةِ من الأبوين، أي والله إنَّ يُوسُفَ وأخاه، ﴿أَحَبُّ﴾ اسم تفضيل مجرد من (أل) والإضافة واجب الإفراد والتَّذكير، فقد جاءت بعده من جارَّة للمفضول، فَأُفْرِدَ مع الاثنين ﴿إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جَماعَةٌ أقويَاء نافِعُونَ أحَقُّ بِحُبِّهِ وأجْدَرُ بِكَلفِه.
فَذَكَروا أوَّلًا مِحْنَتَهُم ومَأسَاتَهُم في يُوسُفَ وأخيهِ، حَيثُ صَرَفَا وجْهَ أبيهم يَعْقُوبَ - - ﵇ - - عَنْهُم إلى أنْفُسِهِما، وأنَّ تفضيل أبيهم لهما في المحبَّة أمر ثابت متحقِّق لا شبهة فيه.
﴿إِنَّ أَبَانَا﴾ في تَرْجِيحِهِما وإيثارِهِما وتَفْضِيلِهما عَلَيْنا في المَحَبَّةِ مَعَ فَضْلِنا عليهما ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾ أي غَلَط في الرَّأي وخُرُوجٍ عن الصَّوابِ ظاهِر.
وَفَاتَهُم ما قالَهُ بَعْضُ حُكَمَاءِ العَربِ لمَّا سُئِلَ: أيُّ بَنِيكَ أحبُّ إليكَ؟ قال:
[ ٢٩ ]
"الصَّغير حتَّى يَكْبَر، والمريض حتَّى يَبْرَأ، والغائِب حتَّى يَؤوب" ويُوسُفُ كَانَ صَغِيرًا، وفَوقَ ذلكَ يَعْقُوبُ - - ﵇ - - كانَ يَتَوسَّمُ فيهِ الصَّلاحَ والتَّقوى والنُّبوَّةَ، وقوَّى ذلكَ تلك الرؤيا الصَّالِحة الَّتي رآهَا يُوسُفُ، فهو مُحِبٌّ له لآمَالِهِ فِيهِ، ولِرَجَائِهِ في مُسْتَقْبَلِهِ.
ومع أنَّ الحبَّ أمْر باطن في الجَنان، ولكنَّ مظاهره لا تخفى على أحد، فهي تبدو على الجوارح والأركان.
ثمَّ ناقَشُوا في اجْتِمَاعِهِم المُغْلَق ما يَصْنَعُونَه في يُوسُفَ، فَفَكَّروا في بادِئ الأمرِ بِقَتْلِهِ، قائِلِينَ: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾.
يا لله! إلى أيِّ حَدٍّ يَصِلُ الحَسَدُ بِقَلْبِ صَاحِبِهِ؟ إلى حَدِّ البَغِي والعُدْوانِ! نَعَم؛ فَبَواعِثُ الحَسَدِ تُهَوِّنُ الأمرَ العَسِيرِ، وتُسَهِّلُ على العَبْدِ ارتِكَاب المظلمة واقْتِرَافَ الذَّنْب العَظِيم، بل إنَّ الحَسدَ إذَا تَمَكَّنَ مِنَ القُلُوبِ لا يَعْرِفُ أخوَّةً ولا صدَاقَةً، ولا يُفَرِّقُ بين رَفِيقٍ أو حَمِيم.
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ اقْتُلُوه تَخَلَّصوا مِنْهُ ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ وإلَّا تَقْتُلوهُ، فألْقُوهُ في أَرْضٍ مَنْكُورة مَجْهُولة بَعِيدة خَلاء فَضَاء.
﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ لِيُقْبِلَ أبُوكُم عَلَيْكُم أَنْتُم، ولا يُنَازِعُكم في مَحَبَّتِهِ أحَدٌ، ولا يشْغَلُه عَنْكُم شَاغِلٌ في مَحَبَّتِهِ.
﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بَعْدِ قَتْلِهِ أو طَرْحِهِ - والمَآلُ واحِد - ﴿قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)﴾ بالتَّوبةِ والإنَابةِ إلى الله تَعَالى والرُّجوعِ إليهِ.
وهذا مِنَ الجَهْلِ؛ فإنَّ التَّوبَةَ الَّتي هَذا شأنُها غَيْرُ مَقْبُولةٍ، فإنَّ مَنْ يُضْمِر مِنْ قَبْل عَلى الذَّنْبِ ثمَّ التَّوبة مِنْه، إِنَّما يَقْصِد بِتَوبتِهِ المَكرَ بالله تَعَالى، ولا يَقْصِدُ الرُّجُوعَ إِليهِ حَقِيقَة.
[ ٣٠ ]
ثمَّ قَرَّ رأْيُهُم على أَخْذِهِ من أبيهِم، وإلقائِهِ في ظُلُمَاتِ البِئر: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فَمَا أعْظَمَ القَتْلَ! وَمَا أَشَدَّ عَاقِبَتَهُ! ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النِّساء] ويلاحظ بين ﴿اقْتُلُوا﴾ و﴿لَا تَقْتُلُوا﴾ طباق السَّلب البديع.
﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ فَيَكْفِيكُم أن تُلْقُوه في قَعْرِ البِئرِ ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ لِيَأْخذَهُ بَعْضُ المَارَّة من المُسَافِرينَ ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)﴾ ما أضْمَرْتُم لَهُ من التَّفْريقِ بينه وبين أبيه.
وكَانَ الَّذي نَهَاهُم عن قَتْلِهِ لِبِقًا وفَطِنًا وحَذِرًا في حَدِيثِهِ، قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لا تَقْتُلوا أخانا؛ مُتَجَاهلًا الأُخُوَّةَ والنَّسبَ من الأَبِ بَيْنَهُما، لِيُفْهِمَهُم أنَّهُ واحِدٌ مِنْهُم هذا من ناحية، ومن ناحية أُخْرى فَيَظْهَر أنَّ الجُبَّ (البِئر) الَّذي أَرَادَهُ كَانَ مَعْرُوفًا لَدَيْهِم ولدى النَّاس حيْث كان يأمُلُ أنَّه إذا أُلْقِيَ أَخُوهُ فِيهِ، تكُون له السَّلامةُ والنَّجاةُ من الَّذين يَرِدُونَ هذا البِئرَ؛ فقد جاءَتْ كَلِمَةُ ﴿الْجُبِّ﴾ على لِسَانِهِ مُعرَّفَةً، فلم يَقُل: وألْقُوهُ في غَيابةِ جُبٍّ.