يلاحظ في قوله تعالى حكاية عن يُوسُفَ: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ أنَّه كرَّر (رأيت)، وهذا التكرير غرضه في الآية أن يتَّصل أوَّل الكلام بآخره اتِّصالًا حسنًا، فإنَّه إذا طال الكلام، وخشي نسيان أوَّله أعيد من جديد تطريةً له، واعتناء به، وتجديدًا لعهده، وتأكيدًا عليه، ولذلك تكرَّرت ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ إضافة للتَّأكيد بسبب إطالة الكلام بين الفعل والحال.
فتكرير اللّفظ الأوَّل بعينه إنَّما هو للعناية به والتَّأكيد عليه، ومن ذلك في القرآن، قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾ [النَّحل] فقد كرَّر قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ للغرض نفسه.
والتَّكرير أبلغ من التَّأكيد، وهو أنواع ثلاثة: الأوَّل: أن يتكرَّر لفظه ومعناه، وسبقت الإشارة إليه، والثَّاني: ما يتكرَّر معنى لا لفظًا، وهذا أحيانًا يكون فيه بين
[ ٢٦ ]
المعنيين مخالفة ما، كأن يكون أحدهما أعمّ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ﴾، فإنَّ الكواكب الأحد عشر أعمُّ من القمر، وكذلك قوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرّحمن] فإنَّ الفاكهة أعمُّ من النَّخل والرّمَّان، ومثله في القرآن كثير.
وهناك نوع ثالث يتكرَّر فيه اللَّفظ ويختلف المعنى، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (٢٣١)﴾ [البقرة] إلى قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ (٢٣٢)﴾ [البقرة] فهذا من باب تكرير اللَّفظ لا المعنى لاختلاف البلوغين في قوله ﴿فَبَلَغْنَ﴾ فالأوَّل بمعنى قاربن انقضاء عدَّتهنَّ، والثَّاني بمعنى انقضت عدَّتهنَّ.
واعلم أنَّ لكلِّ نوع من هذه الأنواع الثَّلاثة وجهًا من وجوه البلاغة، ولكن ليس هذا محلّ بيانه.