نلاحظ في قول الله تعالى حكاية عن أولاد يعقوب: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ﴾ أنَّه لم يقل: (بمصدِّق)، أو كلمة سواها، فلا يوجد كلمة تحلُّ محلّها، وإنَّما خصَّ سبحانه ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾ بالذِّكر دون بمصدِّق؛ لأجل نكتة في المذكور ترجَّح مجيئه على سواه، وذلك لما في الإيمان من الزِّيادة في المعنى على التَّصديق، وهذا يُعْرَفُ في علم البديع بالتَّنكيت، وهو أن تقصد لفظًا دون لفظٍ لمعنى من المعاني، ولولا ذلك لكان الكلامُ عُرْضَةً للنَّقد.
ففي لفظة ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾ من المعنى ما ليس في (مصدِّق)، وذلك أنَّ (مصدِّق)
[ ٣٨ ]
من التَّصديق، وأمَّا ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾ فتحمل معنى التَّصديق وإعطاء الأمن، فهم يطلبون تصديقَهم وزيادة، وهو الأمن؛ فلهذا جَنَحَ إليه ولم يُعاقِبْهم.
أيضًا القرآن لم يقل: وما أنت بمصدِّق لنا ولو كنَّا صادقين، لأنَّه لا يقيم وزنًا للتَّنسيق والتَّنميق والتَّجنيس في الألفاظ إذا كان على حساب المعنى.
ومن بديع التَّنكيت وحلوه، قوله تعال: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ (٤٤)﴾ [الإسراء] فقد اختصَّ ﴿تَفْقَهُونَ﴾ بالذِّكر دون (تعلمون) لما في الفقه من زيادة على العلم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ (٣١)﴾ [الأنعام] فخصَّ ﴿ظُهُورِهِمْ﴾ دون (رؤوسهم) كون الظُّهور أقوى على الحمل، فكنَّى بها سبحانه عن ثقل الأوزار.
ومن شواهد التَّنكيت، قوله: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة] فاختصَّ ﴿الْوَتِينَ﴾ دون العروق، لأنَّه نياط القلب، وهو عرق متَّصل به إذا انقطع مات الإنسان.