القرآن الكريم عجيب النَّظم، ولا يَعْرِفُ نمطه الغريب، ونظمه العجيب، وتأليفه الأنيق إلَّا من كان آخذًا بطرفيّ النَّظم والنَّثر، فإذا عَرَفَ ذلك عَرَفَ مُفَارقةَ نظْمِ القرآن لِسَائر الكلام، وعرف أنَّ ما دونه أدنى منزلة، وأسهل مطلبًا.
ومن عجيب نظمه الواضح كالفجر، الزَّاخر كالبحر، قوله تعالى حكاية عن
[ ٦٠ ]
الشَّاهد: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾ فإنَّه لمَّا كان الخبر يحتمل الصِّدق والكذب، قدَّم الشَّاهِدُ الصِّدقَ مواجهةً، ثمَّ لم يواجه يُوسُفَ - - ﵇ - - بالكذب، بل أدخله في جملة الكاذبين، تلطُّفًا في الخطاب.
أيضًا لم يقل: (فقد كذب) كما قال: ﴿فَكَذَبَتْ﴾ مراعاة لأدب الخطاب، والدخول في المعنى بألطف عبارة.
ففي قوله: ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ بصيغة الجمع، وإعراضه عن صيغة المفرد (كاذب)، فيه إكرام ليُوسُفَ لئلّا يواجهه بالكذب، وفي إعراضه عن الفعل (كَذَبَ) تكريم آخر ليُوسُفَ لئلّا يناله الفعل.
والكلام عن نظم القرآن يحتاج إلى إرخاء العنان في ميادين البيان، وأضرب عن ذلك بغية الاختصار والإجمال، وهو مبسوط في مصنَّفات علوم القرآن، وهناك شواهد له متفرقة في غير موضع من هذا الكتاب.
وتجدر الإشارة إلى أنَّ في قوله: ﴿قُبُلٍ﴾ و﴿دُبُرٍ﴾ و﴿فَصَدَقَتْ﴾ و﴿فَكَذَبَتْ﴾ و﴿الْكَاذِبِينَ﴾ و﴿الصَّادِقِينَ﴾ من المحسنات البديعيَّة ما يعرف بطباق الإيجاب، والطّباق يُسْهِمُ في تجلية المعنى وإبرازه وتثبيته في ذهن المتلقِّي.
الدَّرسُ الَّذِي نَأْخُذُه مِنَ الحادِثة
مِنَ النَّادِر والْغرِيب بدء المرأة بِمُرَاوَدَة الرَّجُل، فَلَا نَرَى الْمُرَاوَدة والتَّعَرُّض والتَّحَرُّش يَأْتِي أَوَّلًا إِلَّا من الرَّجل، الْأَمر الَّذِي يُؤكِّد لنا رُجْحَانَ كفَّة حَيَاء المرأة عَلَى الرَّجُل.
وَأمَّا هَذِه الْحَادثة، فَزَوْجة الْعَزِيز قد تَكُون علَى شَيءٍ مِن الْعُذْر؛ لِفَرَط حُسْن
[ ٦١ ]
يُوسُفَ - - ﵇ - ـ، وَلِكَثْرَة اختلاطها به، وَلَا نُبَرِّئهَا، فلا شكَّ أنَّها خَاطِئَة، وَلكنَّ المسؤول عَن تصرُّفها القَبِيح هَذَا هو زوجها الَّذِي جَعَل يُوسُفَ تَحْت إِمْرَتِهَا وَسُلْطَانِهَا، وَهَذَا لَا يَجُوز؛ فلا يَجُوز للْخَدَم أَن يَخْتَلطُوا بِنسَاء البيوت الَّتي يَعْمَلُون بِهَا، وَلَا أَن يَطَّلِعُوا عَلَى نِسَائهَا، وَهَذَا خَطَأ مَا زالَت المدنيَّة تُعَانِيه.
وَلَعلَّ الدَّرْسَ الَّذِي نَأْخُذُه مِن هَذِه الحادثة خَطَرُ الاختلاط والخلوة، وَحسْنُ الاستغناء عَن الخَدَم بِجِنسَيْه؛ لِنُحَافظَ عَلَ أَعْرَاضِنا وَحُرُمَاتِنَا، فَمَا كُلّ مَمْلُوك يُوسُف، فَإِنْ كان لَا بُدَّ منهم، فالحَذَرَ الحَذَرَ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ (٧١)﴾ [النِّساء]
وَدَرس آخَر فِي مُقَاوَمة هَوَى النَّفْس، فَيُوسُفُ أَبْدى لنا ما اشْتَمَلَتْ عليه نَفْسُه الطَّاهرَةُ من صِفَات عَالِيَة؛ لِيَكُون لَنَا مَثَلًا، وَصَدَق الشَّافِعِي ﵀ الْقَائِل:
عُفُّوا تَعُفَّ نِسَاؤُكم فِي المحْرَمِ وَتَجَنَّبوا مَا لَا يَلِيقُ بِمُسْلِم
مَنْ يَزْنِ فِي بيْتٍ بِأَلفِي درْهَمِ فِي بَيْتِهِ يُزْنَى بِغَيْر الدِّرْهَم
مَنْ يَزْنِ يُزْنَ بِه وَلَو بِجِدارِهِ إِن كُنْت يَا هَذَا لَبِيبًا فَافْهَم
إِنَّ الزِّنَا دَيْنٌ فَإِن أَقْرَضْتَهُ كَانَ الوَفَاءُ مِن أَهْلِ بَيْتِكَ فَاعْلَم
يا هاتِكًا حُرُمَ الرِّجالِ وقاطعًا سُبُلَ المودَّةِ عِشْتَ غيرَ مُكرَّم
لو كُنْتَ حُرًّا من سُلالةِ طَاهرٍ ما كُنْتَ هتَّاكًا لحُرْمَةِ مسْلم