مَوضُوعُ الرُّؤيا مَوضُوعٌ عَمِيقُ الجُذُورِ، يَحْتَاجُ إلى شَرْحٍ وتَفْسيرٍ، وبَيانٍ وتفْصِيلٍ، والحديثُ فيه يَطُولُ، وليس الكِتَابُ مَوضُوعًا لِبَحثِ ذَلكَ، ويكفِي أنْ نُبيِّنَ هَدْيَ النَّبيِّ - - ﷺ - - فِيمَنْ رأى رُؤيا يُحِبُّها، أو رأى غَيْرَ ذلك مِمَّا يَكرَهُ.
فقد روى البخاري عن أبي سَعِيد الخُدْرِيِّ أنَّه سَمِعَ النَّبِيَّ - - ﷺ - - يَقُولُ: " إذا رأى أحَدُكُم رُؤْيا يُحِبُّها فإِنَّما هِيَ مِنَ الله، فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَليْهَا ولْيُحَدِّث بها، وإذا رأى غَيْرَ ذَلِكَ ممَّا يَكْرَهُ، فإنَّما هِيَ من الشَّيطانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِن شَرِّها ولا يَذْكُرْها لأحَدٍ؛ فإنَّها لا تَضُرُّهُ " (^٢).
وروى مُسْلِم عن أبي قَتَادَةَ، عن رَسُولِ الله - - ﷺ - - أنَّهُ قال: " الرُّؤْيا الصَّالِحةُ مِنَ الله، والرُّؤيا السُّوءُ مِنَ الشَّيطَانِ، فَمَنْ رأى رُؤْيَا فَكَرِهَ مِنْهَا شَيْئًا، فلْيَنْفُثْ عن يَسَارِهِ، ولْيَتَعَوَّذْ بالله مِنَ الشَّيطانِ لا تضُرُّه، ولا يُخْبِر بها أَحَدًا، فإنْ رأى رؤيا حَسَنَةً فلْيَبْشِرْ ولا يُخْبِرْ إلَّا مَن يُحِبُّ " (^٣).
وَرَوى مُسْلِم عن أبي هُرَيْرَة عن النَّبيِّ - - ﷺ - ـ، قال: " والرُّؤيَا ثلاثَةٌ: فَرُؤيَا الصَّالِحَة بُشْرى من الله، وَرُؤيْا تَحْزِين من الشَّيطان، وَرُؤيا ممَّا يُحَدِّث المَرْءُ نَفْسَهُ، فإِنْ
_________________
(١) الرُّؤيا: ما كانت منامًا، والرُّؤية: ما كانت يَقَظةً وعَيانًا.
(٢) البخاري " صحيح البخاري " (م ٤/ج ٨/ص ٦٨) كِتَابُ التَّعبير.
(٣) مُسْلِم "صحيح مسلم بشرح النّوويّ " (م ٨/ج ١٥/ص ١٩) كتاب الرُّؤيَا.
[ ٢٤ ]
رَأَى أَحَدُكُم ما يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ، ولا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ " (^١).
وَرَوى مُسْلِم عن جَابِرٍ عن رَسُولِ الله - - ﷺ - - أنَّه قال: " إذَا رَأى أحَدُكُم الرُّؤيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عن يَسَارِهِ ثلاثًا، ولْيَسْتَعِذْ بالله من الشَّيطَانِ ثَلاثًَا، ولْيَتَحَوَّلْ عن جَنْبِهِ الَّذي كَانَ عَلِيْهِ " (^٢).
ومِن مَجْمُوعِ الأحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ نَفْهَمُ أنَّه يَنْبَغِي لِلمُسْلِمِ أنْ يَعْمَلَ بِأسْبَابِ السَّلامَةِ الَّتي جَعَلَها اللهُ له، فإذا رَأَى ما يَكْرَهُ نَفَثَ عن يَسَارِه ثلاثًا، قائلًا: أَعُوذُ بالله من الشَّيطَانِ ومن شَرِّهَا ثلاثًا، ولْيَتَحَوَّلْ عن جَنْبِهِ الَّذي كانَ عَليهِ إلى جَنْبِهِ الآخر، وليُصَلِّ ركْعَتَينِ، ولا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ، فَيَكُون قَد عَمِلَ بالرِّواياتِ الشَّريفةِ كُلِّها، وإن اقْتَصَرَ على بَعْضِهَا أجْزَأَ في دَفْعِ ضَرَرِ الرُّؤيا كما صَرَّحت الأحادِيثُ الشَّرِيفَةُ، وهذه تَكُونُ سَبَبًا لِعَدَمِ ضَرَرِهِ؛ كما جُعِلَت الصَّدَقَةُ لِوقايَةِ المالِ وَغَيرِه مِنَ البَلاءِ.