روى مسلم عن أنس بن مالك في حديث الإسراء أنَّ رسول الله - - ﷺ - - قال: " ثمَّ عرج بي إلى السَّماء الثَّالثة، فاسْتَفْتَحَ جِبْريلُ، فقيل: مَنْ أنتَ؟ قال: جبريل. قِيل: ومَنْ معك؟ قال: محمَّدٌ - - ﷺ - ـ. قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بُعِثَ إليه؛ فَفُتِحَ لنا، فإذا أنا بيُوسُفَ - - ﷺ - ـ، إذا هو قد أُعْطِي شَطْرَ الحُسْنِ، فرحَّب ودعا لي بخير " (^١).
في الفَصْل والوَصْل
من أسرار البلاغة وفنونها معْرِفَةُ مواضِعِ الوَصْل والفَصْل في الجمل، والعِلمُ بذِكْر العاطِف وتركِه. والوَصَلُ عند علماء المعاني المراد به عطْف جملةٍ على أخرى بحرف العطف الواو فقط، والفَصْل تركه.
وتمييز مواطن الفصل من الوصل في الجمل على ما تقتضيه البلاغة أمر متعذّر غَامِض، لا يعرفه إلَّا الخلَّص من العرب، الَّذين طُبِعوا على البلاغة، وجُبِلوا على الفصاحة، وقد بلغ ببعضهم أنْ جعل معرفةَ الوصل من الفصل حدًّا للبلاغة، وأساسًا للفصاحة.
وأهل البلاغة والفصاحة في عهد النَّبِيِّ كانوا أعرف النَّاس بعجزهم أمام القرآن وإعجازه، فإذا وقف هؤلاء عاجزين، فمن بعدهم لا رَيْبَ أَعْجَز؛ لأنَّ معرفة المتقدِّمين بصنعة العربيَّة لا يجاريهم فيها أحد من المتأخِّرين.
ومن المواضع الَّتي يحسن فيها الفصل أن يكون بين الجملتين اتِّحاد تامٌّ، كأن
_________________
(١) مسلم " صحيح مسلم بشرح النّووي " (م ١/ج ٢/ص ٢١٣) كتاب الإيمان.
[ ٧٠ ]
تكون الجملة الثَّانية بيانًا للأولى، أو توكيدًا لها، ويسمَّى كمال الاتِّصال، نحو قوله تعالى حكاية عن النِّسوة: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾ ففي الجملة الأولى ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ نوع من الخفاء، فَفُصِلَت الجملةُ الثَّانية ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾ لأنَّها بيان لما قبلها، ولأنَّها مؤكِّدة أيضًا للجملة الأولى في نفي البشريَّة.
ومن المواضع الَّتي يحسن فيها الفصل أن تقع الجملة الثَّانية جوابًا عن سؤال يفهم من الجملة الأولى، ويسمَّى شبه كمال الاتِّصال، نحو قوله تعالى حكاية عن امرأة العزيز: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ (٥٣)﴾ فقد فُصِلَت جملة ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ عن جملة ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ لأنَّ الثَّانية جواب عن سؤال يفهم من الأولى، فقوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ أوجد سؤالًا: لم لا تبرِّئين نفْسَكِ؟ فجاءت الجملة الثَّانية جوابًا ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾.
والجواب - كما هو معلوم - شديد الارتباط بالسُّؤال، ولذلك وقع الفصل في الجملة الثَّانية لقوَّة ارتباطها المعنوي بالجملة الأولى.