ولَمْ يَلْبَثُوا إلَّا قَليلًا حتَّى كَذَّبُوا أنْفُسَهُم فِيما أقْسَمُوا، وأخْلَفُوا ما وَعَدُوا، ولم يُراعُوا لأبِيهِم عَهْدًا، ولم يَفُوا له وَعْدًا، مَعَ أنَّ الوَفَاءَ بالعَهْدِ من واجِبَاتِ الدِّينِ ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء]
لكِنَّ وعْدَهم ذَهَبَ هَدَرًا أدراج الرِّياح أسرع من برق الخُلَّب (^١).
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ بَعِيدًا عن أبيهِ ﴿وَأَجْمَعُوا﴾ رأيهُم ﴿أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ أن يلقُوهُ في غَوْرِ البِئْرِ، نفَّذوا ما عَزَمُوا عَلَيْهِ. وقَد حُذِفَ جَوابُ ﴿فَلَمَّا﴾ للدّلالَةِ على فَجاعَةِ الأمْرِ وفَظَاعَتِهِ وفداحَتِهِ؛ فما حَدَثَ لا تشْرَحُهُ العِبَارةُ، ولا تَكْفِي فِيهِ الإِشَارَةُ.
_________________
(١) الخلّب: السَّحابُ يُومِضُ بَرْقُه حتى يُرْجَى مَطَره ثم يُخْلِفُ وينقشع، يُضرب مثلًا لمن يعد ثمّ يخلف، أو لمن يخدع بالقول اللّطيف.
[ ٣٥ ]
وتَقْدِيرُ جواب ﴿فَلَمَّا﴾ المحذوف أنَّهُم جَعَلوه في غيابة البِئر بَعْد أن نَزَعُوا عَنْهُ قَمِيصَهُ، وكان منهم ما الله به عليم، فكم في هذا الحذف من تعبير وتهويل، أيضًا القرآن لم يفصِّل في هذا المشهد لأنَّ بيانه من شأنه أن يغري من سقمت سريرته على تعلُّمه وتقليده، وهذا خلاف ما أراد الله تعالى من التَّنفير من هذا الفعل وتشنيعه.
وهكذا تنكَّروا لَهُ، وألقُوهُ في ظُلُماتِ البِئْر بلا جُرْمٍ فَعَلَ، ولا ذَنْبٍ جَنَى، وَلَم يَرْحَمُوا صِغَرَه، ولم يَرَأَفُوا بِضَعْفِهِ، ولكن مَنْ كان اللهُ له أَنِيسًا فَكَفى بالله تعالى فهو حسبه، وما أحسن قول القائل:
ولا تَجْزعْ إذا ضَاقَتْ أمُورٌ فكم لله مِنْ لُطْفٍ خَفِيٍّ
فَقَد أرادَ الله تعالى أن يُطَمْئِنَ نَفْسَ يُوسُفَ ويُسَكِّنَ رَوْعَهُ ويَربِطَ على قلْبِهِ، فأوحى إليه بأنَّهُ سَتحْصُلُ لَهُ النَّجاةُ والخَلاصُ من هَذِهِ المِحْنَةِ، وستكون له سلامَةُ الحَالِ وحُسْنُ المَآلِ، قَال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ أي لَتُخْبِرَنَّ إخْوتَكَ بِفِعْلِهِم مَعَكَ حِينما تَكُونُ عَزِيزًا بِمِصْرَ، وهُم أمَامَكَ ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ وَقْتَهَا أنَّكَ يُوسُفُ؛ لِعُلوِّ مَكانِكَ، ولطولِ العَهْدِ.
وَقَد تَحَقَّقَ ذَلِكَ حِينَما قال لهم يُوسُفُ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾ كما تَحقَّقَ عَدَمُ شُعُورِهم بأنَّه يُوسُفُ، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)﴾.