﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ بعدما جاءَه الرَّسولُ، وسمع منه عبارة الرُّؤيا ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ يقصد يُوسُفَ، وذلك لما رأى من علمه وفضله، فقد استحسن تأويله وأُعجب به لِمَا سمعه، " والأذن تعشق قبل العين أحيانًا " والوَصْفُ يحرِّك من الشَّوق أغْصَانًا وأَفْنانًا!
ونُفِّذَ أمرُ الملك، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ أي فلمَّا جَاءَ رسُولُ الملك إلى يُوسُفَ يدعوه للخُروج من السِّجن، أخذ يُوسُفُ يُراجِع ويستعرض تلك الدَّعوى والتُّهمة المزوَّرة، التي دَخَلَ السِّجنَ بسببها، ومرَّ به شريطُ الذِّكريات المؤْسِف، فَوَجَدَ أنَّ هناك دواعي كثيرة تمنعه من إجابة الدَّاعي إلى طلبه، ولذلك ﴿قَالَ﴾ يُوسُفُ للرَّسول بلسان اللُّطْفِ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ سيِّدك الملك ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي﴾ الله تعالى ﴿بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾.
مجرد سؤال، لم يغْتب أحدًا، ولم يتَّهم أحدًا بصراحة، ولم يقع في أحد، ولم يذكر اسم سيِّدته امرأة العزيز، وهي الَّتي ما زال في السِّجن بمساعيها، واكتفى بالإيماء.
ونراه - - ﵇ - - لم يَقُل: سَلْه أنْ يُفتِّشَ عن شأنهنَّ! فلربمَّا كان في ذلك جرأة على الملك تدفع الملك إلى الامتناع وعدم الالتفات إليه.
وقوله: ﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ يدلُّ على وفور عقله وكمال أدبه؛ فقد ذكر النِّساءَ جملة ليُدخِل امرأة العزيز فيهنَّ مدخلَ العموم بالتَّلميح لا بالتَّصريح، وهذا من
[ ١١٣ ]
أخلاق نبيِّنا محمَّد - ﷺ -، فلم يكن يقابل أحدًا بمكروه، فقد أُثر عنه أنَّه كان يقول: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ" (^١).
ومن إمساكه - - ﵇ - - عن غيبة أحد، نتعلَّم ألَّا نتلمَّظ بمُضْغَةٍ طالما لفظتها الكرام، وطالما ورد النَّهيُ عنها في القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات]
وطلب يوسف نقل الدَّعوة من محكمة (العزيز) إلى محكمة (الملك) بهذه الجرأة يدلُّ على ثقته بكسب الدَّعوة؛ لأنَّه واثقٌ بالبراءة.